منتديات حبيبي ياعراق ..أكبر تجمع عربي

منتديات حبيبي ياعراق ..أكبر تجمع عربي

اهلا وسهلا بكـ زائر, لديك: 130 مساهمة .
آخر زيارة لك كانت في : .
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  بحـثبحـث  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
آخــر المواضـيع
التــاريخ
بواسطـة
الجمعة نوفمبر 25, 2016 2:13 am
الأربعاء نوفمبر 23, 2016 5:10 am
الثلاثاء نوفمبر 15, 2016 11:56 pm
الثلاثاء نوفمبر 08, 2016 8:28 pm
الثلاثاء نوفمبر 08, 2016 8:27 pm
الثلاثاء نوفمبر 08, 2016 8:26 pm
الثلاثاء نوفمبر 08, 2016 8:21 pm
الثلاثاء نوفمبر 08, 2016 8:18 pm
الثلاثاء نوفمبر 08, 2016 8:13 pm
الثلاثاء نوفمبر 08, 2016 8:13 pm
تصويت
من هو افضل لاعب في العالم ؟
 1- كريستيانو رونالدو
 2- ليونيل ميسي
استعرض النتائج

شاطر | 
 

  قصة استشهاد الامام الحسين (ع) واقعة الطف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جبل الحب
،،* المدير *،،
،،* المدير *،،


عًدَدٌ ـآلمُسًآهمـآإت عًدَدٌ ـآلمُسًآهمـآإت : 8869
السٌّمعَة السٌّمعَة : 618
تًآرٍيِـِخٌ ـآلتًسَجٍيِلٌ تًآرٍيِـِخٌ ـآلتًسَجٍيِلٌ : 13/06/2009
العمر العمر : 20

مُساهمةموضوع: قصة استشهاد الامام الحسين (ع) واقعة الطف    السبت أغسطس 20, 2011 11:34 pm


قصة استشهاد الامام الحسين (ع)
واقعة الطف



لمّا ماتَ الحسنُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ تحرّكتِ الشِّيعةُ بالعراقِ
وكتبوا إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ في خلعِِ معاويةَ والبيعةِ له ،
فامتنعَ عليهم وذكرَ أنّ بينَه وبينَ معاويةَ عهداً وعقداَ لا يجوزُ له
نقضُه حتّى تمضِيَ المُدّةُ، فإِن ماتَ معاويةُ نظرَ في ذلكَ.
فلمّا ماتَ معاويةُ - وذلكَ للنِّصفِ من رجب سنة ستِّينَ منَ الهجرةِ -
كتبَ يزيدُ إِلى الوليدِ بنِ عُتْبة بن أبي سفيانَ - وكانَ على المدينةِ من
قِبَلِ معاويةَ - أن يأْخذَ الحسينَ عليهِ السّلامُ بالبيعةِ له، ولا
يُرخِّصَ له في التّأخُّرِعن ذلكَ.
فأنفذَ الوليدُ إِلى الحسينِ عليهِ
السّلامُ في الليلِ فاستدعاه ، فعَرفَ الحسينُ الّذي أرادَ فدعا جماعةً من
مواليه وأمرَهم بحملِ السِّلاحِ ، وقالَ لهم : «إِنّ الوليدَ قد استدعاني
في هذا الوقتِ ، ولستُ آمَنُ أن يُكلِّفني فيه أمراً لا أُجيبُه !ليه، وهو
غيرُ مأْمونٍ ، فكونوا معي ، فإِذا دخلتُ إِليه فاجلِسوا على البابِ ، فإِن
سمعتم صوتي قد علا فادخُلوا عليه لتمنعوه منِّي.
فصارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى الوليدِ فوجدَ عندَه مروانَ بنَ الحكمِ ،
فنعى الوليدُ إِليه معاويةَ فاسترجعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ ، ثم قرأ
كتابَ يزيدَ وما أمرَه فيه من أخذِ البيعةِ منه له ، فقالَ له الحسينُ :
«إِنِّي لا أراكَ تَقنعُ ببيعتي ليزيدَ سرّاً حتّى أُبايعَه جهراً ، فيعرف
الناسُ ذلكَ » فقالَ الوليدُ له : أجل ، فقالَ الحسينُ عليهِ السَّلامُ :
«فتصبحُ وترى ريكَ في ذلكَ » فقالَ له الوليدُ: انصرفْ على اسمِ اللّهِ
حتّى تأْتينا معَ جماعةِ النّاسِ.
فقالَ له مروانُ : واللهِ لئن
فارقَكَ الحسينُ السّاعةَ ولم يُبايعْ لا قَدرت منه على مثلِها أبداً حتّى
يكثرَ القتلى بينَكم وبينَه ، احبسِ الرّجلَ فلا يخرج من عندِكَ حتّى
يبايعَ أوتضربَ عنقَه.
فوثبَ عندَ ذلكَ الحسينُ عليهِ السّلامُ وقالَ :
«أنتَ - يا ابنَ الزّرقاءِ- تَقتلني أو هو؟! كذبتَ واللّهِ وأثمتَ » وخرجَ
(يمشي ومعَه) مواليه حتّى اتى منزلَه.
فقالَ مروان للوليد ِ: عصيتَني ،لا واللهِ لا يُمكِّنكَ مثلَها مِن نفسِه
أبداً، فقالَ الوليدُ : (الويح لغيرك) يا مروانُ إِنَّكَ اخترتَ لي الّتي
فيها هلاكُ ديني ، واللّهِ ما أُحِبُّ أنّ لي ما طلعتْ عليه الشّمسُ وغربتْ
عنه من مالِ الدُّنيا وملكِها وأنّي قتلتُ حسيناً، سبحانَ اللهِّ ! أقتلُ
حسيناً أنْ قالَ لا أُبايعُ ؟! واللهِ إنَي لأظنُّ أنّ امراً يُحاسبُ بدمِ
الحسينِ خفيفُ الميزانِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ.
فقالَ له مروانُ : فإِذا كانَ هذا رأيك فقد أصبتَ فيما صنعتَ ؟ يقولُ هذا وهوغيرُ الحامدِ له في رأْيِه.

فأقامَ الحسينُ عليهِ السّلامُ في منزلهِ تلكَ الليلَة، وهي ليلةُ السبتِ لثلاثٍ بَقِيْنَ من رجبِ سنةَ ستَينَ.
واشتغلَ الوليدُ بنُ عُتْبةَ بمراسلةِ ابنِ الزُّبيرِ في البيعةِ ليزَيدَ وامتناعِه عليه.
وخرجَ ابنُ الزُبيرِمن ليلتِه عنِ إلمدينةِ متوجِّهاً إِلى مكّةَ ، فلمّا
أصبحَ الوليدُ سرّحَ في أثرِه الرِّجالَ ، فبعثَ راكباً من موالي بني
أُمّيةَ في ثمانينَ راكباً، فطلبوه فلم يُدرِكوه فرجعو.

فلمّا كانَ آخر (نهارِ يوم) السّبتِ بعثَ الرِّجالَ إِلى الحسينِ بنِ
عليِّ عليهما السّلامُ ليحضرَ فيبايعِ الوليدَ ليزيد بن معاويةَ، فقالَ لهم
الحسَينُ : «أصبِحوا ثمّ تَرَوْن ونرَى» فكفُّوا تلكَ الليلةَ عنه ولم
يُلِحُّوا عليه.
فخرجَ عليهِ السّلامُ من تحتِ ليلتِه - وهي ليلةُ
الأحدِ ليومين بَقِيا من رجبٍ - متوجِّهاً نحوَمكّةَ ومعَه بنوه واخوتُه
وبنوأخيه وجُلُّ أهلِ بيتهِ إلأ محمّدَ بنَ الحنفيّةِ - رضوان اللهِ عليه -
فإِنّه لمّا علمَ عزمَه على الخروجِ عنِ المدينةِ لَم يدْرِ أينَ يتوجّهُ ،
فقالَ له : يا أخي أنتَ أحبُّ النّاس إِليَّ وأعزُّهم عليَّ ولستُ
أَدّخِرُ النّصيحةَ لأحدٍ منَ الخلقِ إِلا لكَ وأَنتَ أحقُّ بها، تَنَحَّ
ببيعتِكَ عن يزيد بن معاويةَ وعنِ الأمصارِ ما استطعتَ ، ثمّ ابعثْ
رُسُلَكَ إِلى النّاسِ فادعُهم إِلى نفسِكَ ، فإِن تابَعَكَ النّاسُ
وبايَعوا لكَ حمدتَ اللهَّ على ذلكَ ، وإن أجمعَ النّاسُ على غيرِكَ لم
يَنْقُصِ اللّهُ بذلكَ دينَكَ ولا عقلَكَ ولا تَذْهَب به مروءتُكَ ولا
فضلُكَ ؛ إِنّي أخافُ أن تَدخلَ مصراً من هذه الأمصارِ فيختلف النّاسُ
بينَهم فمنهم طائفةٌ معَكَ وأُخرى عليكَ ، فيقتَتِلونَ فتكونُ أنتَ لأوّلِ
الأسِنَّةِ، فإِذا خيرُهذه الأُمّةِ كلِّها نفساً وأباً وأُمّاً أضيعُها
دماً وأذلُّها أهلاً، فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فأينَ أذهبُ يا
أخي ؟» قالَ : انزلْ مكّةَ فإِنِ اطمأنّتْ بكَ الدّارُ بها فسبيلُ ذلكَ ،
وِإن (نَبَت بك) لحقتَ بالرِّمالِ وشَعَفِ الجبالِ وخرجتَ من بلدٍ إِلى
بلدٍ ، حتّى تنظرَ(ما يصيرُأمرُ النّاسِ إِليه)، فإِنّكَ أصوبُ ما تكونُ
رأياً حينَ تستقبَلُ الأمرَ استقبالا. فقالَ : «يا أخي قد نصحتَ وأشفَقْتَ ،
وأرجو أن يكونَ رأْيُكَ سديداً موفّقاً».
فسارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ إلى مكّةَ وهو يقرأ: ( فَخَرَجَ مِنْهَا
خَائِفَاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّني مِنَ الْقَوْم الظَالِميْنَ )
ولزمَ الطّريقَ الأعظمَ ، فقالَ له أهلُ بيتِه : لوتنكّبْتَ الطَّريقَ
الأَعظمَ كما صنعَ اَبنُ الزُّبيرِلئلاّ يلحقَكَ الطّلبُ ، فقالَ : «لا
واللّهِ لا أُفارقُه حتّى يقضيَ اللّهُ ما هوقاضٍ ».
ولمّا دخلَ الحسينُ مكّةَ كانَ دُخُولُه إِليها ليلةَ الجمعةِ لثلاث
مَضَيْنَ من شعبانَ ، دخلهَا وهو يقرأُ: ( وَلَمِّا تَوَجَّههَ تِلْقَاءَ
مَدْيَنَ قالَ عَسَى رَبِّيْ أنْ يَهْدِيَنيْ سَوَاءَ السَّبِيْل )ثمّ
نزلَهاوأقبلَ أهلُها يختلفونَ إِليه ، ومن كانَ بها من المعتمرينَ وأَهل
الآفَاقِ ، وابنُ الزُّبيرِ بها قد لزمَ جانبَ الكعبةِ فهو قائمٌ يصلِّي
عندَها ويطوفُ ، وياْتي الحسينَ عليهِ السّلامُ فيمن ياْتيه، فيأْتيه
اليومينِ المتواليينِ وياْتيه بينَ كلِّ يومينِ مرّةً، وهو أثقلُ خلقِ
اللهِّ على ابنِ الزُبيرِ، قد عرفَ أنّ أهلَ الحجازِ لا يُبايعونَه ما دامَ
الحسينُ عليهِ السّلامُ في البلدِ، وأنّ الحسينَ أطوعُ في النّاس منه
وأجلُ.

وبلغَ أهل الكُوفةِ هلاك معاويةَ فأرجفوا بيزيدَ، وعَرفوا خبرَ الحسينِ
عليهِ السّلامُ وامتناعَه من بيعتهِ ، وما كانَ من ابنِ الزُّبيرِ في ذلكَ ،
وخروجهما إِلى مكّةَ، فاجتمعتِ الشِّيعةُ بالكوفةِ في منزلِ سُليمان ابن
صُرَد، فذكروا هلاكَ معاويةَ فحمدوا اللهَ عليه ، فقالَ سليمانُ : إِنّ
معاويةَ قد هلكَ ، وانّ حُسَيناً قد تَقَبَّضَ على القوم ببيعتِه ، وقد
خرجَ إِلى مكّةَ، وأنتم شيعتُه وشيعةُ أبيه ، فإِن كنتم تعَلمونَ أنّكم
ناصِروه ومجاهِدو عَدوِّه (فاعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا
الرجل في نفسه ، قالوا : لا، بل نقاتل عدوه ، ونقتل انفسنا دونه ، قال : )؛
فكَتَبُوا :

بسمَ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
للحسينِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ من سُليمان بن صُرد،والمسَيَّبِ ابن
نَجَبَةَ، ورِفاعة بن شدّادٍ ، وحبيبِ بنِ مُظاهِر، وشيعتِه من المؤمنينَ
والمسلمينَ من أهلِ الكوفةِ :
سلامٌ عليك ، فإِنّا نحمدُ إِليكَ اللهَ الّذي لا إِلهَ إلا هو.
أمّا بعدُ : فالحمدُ للّهِ الّذي قصمَ عدوَّكَ الجبّارَ العنيدَ، الّذي
انتزى على هذهِ الأمّةِ فابتَزَها أمرَها، وغصبَها فيئَها، وتأمّرَ عليها
بغيرِ رضىً منها، ثمّ قتلَ خيارَها واستبقى شِرارَها، وجعلَ مالَ اللّهِ
دُوْلةً بينَ (جبابرتِها وأغنيائها)، فبعُداً له كما بَعدَتْ ثمودُ.

إِنّه ليسَ علينا إِمامٌ ، فأقبِلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الحقِّ ؛
والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ في قصرِ الأمارة لسْنا نجَمِّعُ معَه في جمعةٍ ولا
نخرجُ معَه إِلى عيدٍ ، ولوقد بَلَغَنا أنّكَ أَقبلتَ إِلينا أخرَجْناه
حتّى نُلحقَه بالشّامِ إِن شاءَ اللّهُ.
ثمّ سرّحوا الكتابَ معَ عبدِاللهِ بنِ مِسْمَعٍ الهَمْدانيّ وعبدِاللّهِ
ابنِ والٍ ، وأمروهما بالنّجاءِ، فخرجا مُسرِعَيْنِ حتّى قدما على الحسينِ
عليهِ السّلامُ بمكّةَ، لعشرٍ مَضَيْنَ من شهرِ رمضانَ.
(ولبثَ أهلُ الكُوفةِ يومينِ بعدَ تسريحِهم) بالكتاب ، وأنفذوا قيسَ بنَ
مُسْهِرٍ الصَّيْداويّ و (عبدَ الرّحمن بن عبدِ الله الأرحبّي ) وعمارةَ
ابنَ عبدٍ السّلوليّ إِلى الحسينِ عليهِ السّلام ومعَهم نحوٌ من مائةٍ
وخمسينَ صحيفةً منَ الرّجلِ والاثنينِ والأربعةِ.
ثمّ لبثوا يومينِ آخرينِ وسرّحوا إِليه هانئ بنَ هانئ السّبيعيّ وسعيدَ
بنَ عبدِاللهِّ الحنفيّ ، وكتبوا إِليه : بسمِ اللهِّ الرّحمنِ الرّحيمِ ،
للحسينِ بنِ عليٍّ من شيعتهِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ.
أمّا بعدُ: فحيَّ هلا، فإِنّ النّاسَ ينتظرونَكَ ، لا رأيَ لهم غيركَ ، فالعجلَ العجلَ ، ثمّ العجلَ العجلَ ،والسلامُ.
وكتبَ شَبَثُ بنُ رِبعيّ وحجَّارُ بنُ أبجرَ ويزيدُ بنً الحارثِ بنِ
رُوَيمٍ و(عروةُ بنُ قيسٍ) ، وعمروبنُ الحجّاجِ الزّبيديّ و(محمّد بنُ عمرو
التّيميّ): أمّا بعدُ : فقد اخضرَّ الجَناب وأينعتِ الثِّمارُ، فإِذا شئتَ
فاقدمْ على جُندٍ لكَ مجنَّدٍ ، والسّلامُ.
وتلاقتِ الرُسّلُ كلًّها عندَه ، فقرأ الكُتُبَ وسألَ الرّسلَ عنِ النّاسِ
، ثمّ كتبَ معَ هانئ بنِ هانئ وسعيدِ بنِ عبدِاللّهِ وكانا آخرَ الرُّسُلَ
:
« بسمِ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
منَ الحسينِ بنِ عليٍّ
إِلى الملإِ منَ المسلمينَ والمؤمنينَ.

أمّا بعد : فإِنّ هانئاً وسعيداً قَدِما عليَّ بكتبكم ، وكانا آخرَ من قدمَ
عليَّ من رسلِكم ، وقد فهمت كلَّ الّذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جُلِّكم :
أنّه ليسَ علينا إِمامٌ فأقبلْ لعلّ اللّهَ أن يجمعَنا بكَ على الهدى
والحقِّ.
وإِنِّي باعثٌ إِليكم أخي وابنَ عمِّي وثقتي من أهلِ بيتي ،
فإِن كتبَ إِليَّ أنّه قدِ اجتمعَ رأيُ مَلَئِكم وذوي الحِجا والفضلِ منكم
على مثلِ ما قدمتْ به رُسُلُكم وقرأتُ في كُتُبِكم ، أقدم عليكم وشيكاً
إِن شاءَ اللّهُ.
فَلعَمري ما الأمامُ إلأ الحاكمُ بالكتاب ، القائمُ
بالقسطِ ، الدّائنُ بدينِ الحقِّ ، الحابسُ نفسَه على ذَاتِ اللّهِ ،
والسّلامُ ».


ودعا الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ مسلمَ بنَ عقيلِ بنِ أَبي طالبِ
رضيَ اللهُّ عنه فسرَّحَه معَ قيسِ بنِ مُسْهِرِ الصّيداويّ وعُمارة بن
عبدٍ السَّلوليّ وعبدِ الرّحمنِ بنِ عبدِاللّهِ الأَرحبي ، وأَمرَه بتقوى
اللهِّ وكتمانِ أمرِه واللطفِ ، فإِنْ رأَى النّاسَ مجتمعينَ مُسْتوسِقِينَ
عَجَّلَ إِليه بذلكَ.
فأقبلَ مسلمٌ حتّى أَتى المدينةَ فصلّى في مسجدِ رسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ
عليهِ والهِ وودعِ من أَحبَّ من أَهلِه ثمّ استأْجرَ دليلينِ من قيس ،
فأقبلا به يتنكّبانِ الطّريقَ ، فضلاّ وأصابَهم عطشٌ شديدٌ فعجزا عنِ
السّيرِ، فأومئا له إِلى سَنَنِ الطّريقِ بعدَ أنْ لاحَ لهما ذلكَ ، فسلكَ
مسلمٌ ذلكَ السَّنَنَ وماتَ الدّليلانِ عطشاً.
فكتبَ مسلم بنُ عقيلٍ - رحمهَ اللّهُ - منَ الموضعِ المعروفِ بالمضيقِ معَ
قيسِ بنِ مُسْهِرٍ : أمّا بعدُ: فإِنّني أقبلتُ منَ المدينةِ معَ دليلينِ
لي فجارَا عنِ الطّريقِ فضلاّ واشتدَّ علينا، العطشُ فلم يلبثا أن ماتا،
وأقبلْنا حتّى انتهينا إِلى الماءِ فلم نَنْجُ إلاّ بحُشاشةِ أَنفسِنا،
وذلكَ الماءُ بمكانٍ يدعى المضيقَ من بطنِ الخَبْتِ ، وقد تطيَّرتُ من وجهي
هذا ، فإِنْ رأَيتَ أَعفيتَني منه وبعثتَ غيري ، والسّلامُ.
فكتبَ إِليه الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلام :
«أمّا بعدُ : فقد خَشيتُ أن لا يكونَ حَمَلَكَ على الكتابِ إِليَّ في
الاستعفاءِ منَ الوجهِ الّذي وجّهتُك له إلاّ الجُبْنُ ، فامضِ لوجهِكَ
الّذي وجّهتُكَ له ، والسّلامُ ».

فلمّا قرأَ مسلمٌ الكتابَ قالَ : أَمّا هذا فلستُ أتخوّفُه على نفسي.

فأَقبلَ حتّى مرَّ بماءٍ لِطَيءٍ فنزلَ به ثمّ ارتحلَ منه ، فإِذا رجلٌ
يرمي الصّيدَ فنظرَ إِليه قد رمى ظَبْياً حينَ أشرفَ له فصرعَه ، فقالَ
مسلمٌ : نقتلُ عدوَّنا إِن شاءَ اللهُّ.
ثمّ أَقبلَ حتّى دخلَ الكوفةَ، فنزلَ في دار المختارِ بنِ أَبي عُبَيْدٍ ، وهي الّتي تدعى اليومَ دارَ سَلْمِ بنِ المسيَّب.
وَأَقبلتِ الشِّيعةُ تختلفُ إِليه ، فكلما اجتمعَ إِليه منهم جماعةٌ قرأَ
عليهَم كتابَ الحسينِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ وهم يبكونَ ، وبايعَه
النّاسُ حتّى بايَعَه منهم ثمانيةَ عشرَ أَلفاً، فكتبَ مسلمٌ رحمه اللّه
إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ يُخبرهُ ببيعةِ ثمانيةَ عشرَأَلفاً ويأْمرُه
بالقدوم.
وجعلت الشِّيعةُ تختلفُ إِلى مسلمِ بنِ عقيلٍ رضيَ اللهَّ عنه
حتّى عُلِمَ مكانُه ، فبلغَ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ ذلكَ - وكانَ والياً على
الكوفةِ من قِبَلِ معاويةَ فأقرَّه يزيدُ عليها - فصعدَ المنبرَ فحمدَ
اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قالَ :
أمّا بعدُ: فاتّقوا اللّهَ - عبادَ اللّه - ولا تُسارعوا إِلى الفتنةِ
والفُرقةِ، فإِنّ فيها يَهْلِك الرِّجالُ ، وتُسْفَكُ الدِّماءُ ،
وتُغْتَصَبُ الأَموالُ ، إِنّي لا أُقاتلُ من لا يُقاتلني ، ولا آتي على
من لم يأْتِ عليَّ ، ولا أُنبِّهُ نائمَكم ، ولا أتحرّشُ بكم ، ولا آخُذُ
بالقَرْفِ ولا الظِّنّةِ ولا التُّهمةِ، ولكنَّكم إِن أبديتم صفحتَكم لي
ونكثتم بيعتَكم وخالفتم إِمامَكم ، فوَاللّهِ الّذي لا إِلهَ غيرُه ،
لأضربَنَّكم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي ، ولو لم يكنْ لي منكم ناصرٌ.
أما إِنِّي أرجو أن يكونَ من يعرفً الحقَّ منكم أَكثرَ ممّن يُرديه الباطلُ.
فقامَ إِليه عبدُاللّه بن مسلمِ بن ربيعةَ الحضرميّ ، حليف بني أُميّةَ،
فقالَ : إِنَّه لا يُصلحُ ما ترى إِلاّ الغَشْمُ ؛ إنَّ هذا الّذي أَنتَ
عليه فيما بينَكَ وبينَ عدوِّكَ رأيُ المستضعفينَ.
فقالَ له النُّعمانُ : أَكون من المستضعفينَ في طاعةِ اللهِّ ، أَحبّ إِليَّ من أَن أكونَ من الأَعزِّينَ في معصيةِ اللّهِ.
ثمّ نزلَ.
وخرجَ عبداللهِّ بن مسلمٍ فكتبَ إِلى يزيد بن معاويةَ : أَمّا بعدُ :
فإِنّ مُسلمَ بنَ عقيلٍ قد قدمَ الكوفَة، فبايعَتْه الشِّيعةُ للحسينِ بنِ
عليِّ ، فإِنْ يَكُ لكَ في الكوفةِ حاجة فابعثْ إِليها رجلاً قويّاً،
يُنَفِّذُ أَمرَكَ وَيعملُ مثلَ عملِكَ في عدوِّكَ ، فإِنّ النُّعمانَ بنَ
بشيرٍ رجلٌ ضعيفٌ أو هو يَتَضعَّفُ.
ثمّ كتبَ إِليه عُمارةُ بنُ عُقْبَةَ بنحوٍ من كتابه ؟ ثمّ كتبَ إِليه عُمَرُ ابنُ سعدِ بنِ أَبي وقّاصٍ مثلَ ذلكَ.
فلمّا وصلتِ الكتبُ إِلى يزيدَ دعا سَرْجُونَ مولى معاويةَ فقالَ : ما
رأْيُكَ ؟ إِنَّ حسيناً قد وجّهَ إِلى الكوفةِ مسلمَ بنَ عقيل يُبايِعُ له ،
وقد بَلَغَني عنِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ ضعفٌ وقولٌ سَيئ، فمَنْ تَرى أَن
أَستعملَ على الكوفةِ؟ وكانَ يزيدُ عاتباً على عُبيدِاللهِّ بن زيادٍ ؟
فقالَ له سَرْجُون : أرأيتَ معاويةَ لو نُشِرَ لكَ حيّاً أَما كنتَ اخَذاً
برأْيه ؟ قالَ : نعم.
قال : فأخرجَ سرجُونُ عهدَ عبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ
على الكوفةِ وقاَلَ : هذا رأْيُ معاويةَ، ماتَ وقد أمرَ بهذا الكتاب ،
فضُمَّ المِصرينِ إِلى عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، فقالَ له يزيدُ : أفْعَلُ ،
ابعثْ بعهدِ عَبيدِاللهِّ إِليه.
ثمّ دعا مسلمَ بنَ عَمرو الباهليّ
وكتبَ إِلى عبيدِاللّهِ بن زيادٍ معَه :
أَمّا بعدُ : فإِنّهَ كَتَبَ إِليَّ شيعتي من أَهلِ الكُوفةِ ، يُخبروني
أنّ ابن عقيلٍ بها يَجمعُ الجمُوعَ ويشقُّ عصا المسلمينَ ، فسِرْحينَ تقرأ
كتابي هذا حتّى تأْتيَ الكوفةَ، فتطلب ابنَ عقيلٍ طَلَبَ الخرزَةِ حتّى
تَثْقَفَهُ فتُوثقَهُ أَو تَقْتُلَهُ أَو تَنْفِيَهُ ، والسّلامُ.

وسلّمَ إِليه عهدَه على الكوفةِ.
فسارَ مسلمُ بنُ عمرو حتّى قدمَ على
عُبيدِاللّهِ بالبصرةِ ، فأوصلَ إِليه العهدَ والكتابَ ، فأمَرَ
عُبيدُاللهِّ بالجهازِ من وقتهِ ، والمسيرِ والتّهيًّؤ إِلى الكوفةِ منَ
الغدِ، ثمّ خرجَ منَ البصرةِ واستخلفَ أَخاه عًثمانَ ، وأَقبلَ إلى الكوفةِ
ومعَه مسلمُ بنُ عمرو الباهليّ وشريكُ بنُ أَعْوَرَ الحارثيّ وحَشَمُه
وأَهلُ بيتهِ ، حتّى دخلَ الكوفةَ وعليه عمامةٌ سوداءُ وهو متَلثِّمٌ ،
والنّاسُ قد بلغَهم إِقبالُ الحسينِ عليهِ السّلامُ إِليهم فهم ينتظرونَ
قدومَه ، فظنُّوا حينَ رأوا عُبيدَاللّهِ أَنّه الحسينُ ، فأَخذَ لا
يَمُرُّ على جماعةٍ منَ النّاسِ إلاّ سلَّموا عليهِ وقالوا: مرحباً بابنِ
رسولِ اللهِّ ، قدمتَ خيرَ مقدم.
فرأَى من تَباشرُهم بالحسينِ ما ساءه ، فقالَ مسلمُ بنُ عمرو لمّا أَكثروا : تَأخَّرُوا ، هذا الأَميرُ عبيدُاللّه بن زيادٍ.
وسارَ حتّى وافى القصرَ في الليلِ ، ومعَه جماعةٌ قدِ التفُّوا به لا
يَشُكُّون أَنّه الحسينُ عليهِ السّلامُ ، فأَغلقَ النًّعمانُ بنُ بشيرٍ
عليه وعلى حامّتهِ ، فناداه بعضُ من كانَ معَه ليفتح لهم البابَ ، فأطّلعَ
إِليه النُّعمانُ وهو يظنُّه الحسين فقالَ : أَنْشُدُكَ اللهَّ إلاّ
تَنَحَّيْتَ ، واللهِّ ما انا مُسلمٌ إِليكَ أمانتي ، وما لي في قتالِكَ من
أَرَبٍ ، فجعلَ لا يُكلّمُه ، ثمّ إِنّه دنا وتدلّى النُّعمانُ من شَرَفٍ
فجعلَ يُكلِّمُه ، فقالَ : افتحْ لا فَتَحْتَ ، فقد طالَ ليلكَ.

وسمعَها إِنسانٌ خلفَه فنكصَ إِلى القوم الّذينَ اتّبعوه من أهلِ الكوفةِ
على أَنّه الحسينُ فقالَ : أيْ قوم ! ابن مَرْجَانةَ والّذي لا إِلهَ
غيرهُ.
ففتحَ له النُّعمانُ ودخلَ وضربوا البابَ في وُجوهِ النّاسِ فانْفَضُّوا.
وأصبحَ فنادى في النّاسِ : الصّلاةُ جامعةٌ.
فاجتمعَ النّاسُ ، فخرجَ
إِليهم فحمدَ اللهَّ وأثنى عليه ثمّ قالَ :
أَمّا بعدُ : فإِنّ أَميرَ المؤمنينَ وَلاَّني مِصرَكم وثَغْرَكم وفيئكم ،
وأمرَني بإِنصافِ مظلومِكم وإِعطاءِ محرومكم ، والأحسانِ إِلى سامعِكم
ومُطيعِكم كالوالدِ البر، وسوطي وسيفي على من تركَ أمري وخالفَ عهدي،
فليُبقِ امرؤٌ على نفسِه؛ الصِّدقُ يُنبي عنك، لا الوعيدُ.
ثمّ نزلَ فأَخذَ العُرَفاءَ والنّاسَ أخذاً شديداً فقالَ : اكتُبوا إِلى
العُرفاءِ ومَنْ فيكم من طلبةِ أمير المؤمنين ، ومَنْ فيكم منَ الحَرُورِية
وأَهلِ الرّيب ، الّذين رأيُهم الخلافُ والشِّقاق ، (فمن يجئ بهم لنا
فبرئ) ، ومن لم يكتب لنا أحداً فليضمنْ لنا ما في عِرافتِه ألاّ يخالفَنا
منهم مخالفٌ ، ولا يبغِ علينا منهم باغٍ ، فمن لم يفعلْ برئتْ منه
الذِّمّةُ وحلالٌ لنا دمُه ومالُه ، وأيّما عريفٍ وُجدَ في عرافتِه مِن
بُغيةِ أميرِ المؤمنينَ أحدٌ لم يرفعْه إِلينا، صلِبَ على باب داره ،
واُلغيتْ تلكَ العرافةُ منَ العطاءِ.َ
ولمّا سمعَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رحمَه اللهُّ بمجيءِ عبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ
الكوفةَ، ومقالتهِ الّتي قالَها، وما أخذَ به العُرفاءَ والنّاسَ ، خرجَ من
دارِ المختارِ حتّى انتهى إِلى دارِ هانئ بنِ عُروةَ فدخلَها، وأخذتِ
الشِّيعةُ تختلفُ إِليه فِى دارِ هانئ على تستُّرٍ واستخفاف من عبيدِاللهِّ
، وتواصَوْا بالكتمانِ.

فدعا ابنُ زيادٍ مولىً له يُقالُ له مَعْقلٌ ، فقالَ : خُذْ ثلاثةَ آلافِ
دِرهمٍ ، ثمّ اطلبْ مسلمَ بنَ عقيلٍ والتمسْ أَصحابَه ، فإِذا ظفرتَ بواحدٍ
منهم أو جماعةٍ فأعطِهم هذهِ الثّلاثةَ آلاف درهمٍ ، وقلْ لهم : استعينوا
بها على حرب عدوِّكم ، وأعلِمْهم أنّكَ منهم ، فإِنّكَ لو قد أعطيتَها
إِياهم لقدِ اَطمأنوا إِليكَ ووثقوا بكَ ولم يكتموكَ شيئاً من أخبارِهم ،
ثمّ اغدُ عليهم ورُح حتّى تعرفَ مستقرَّمسلم بن عقيلٍ ، وتدخلَ عليه.

ففعلَ ذلكَ وجاءَ حتّى جلسَ إِلى مسلمِ بنِ عَوْسَجةَ الأسديّ في المسجدِ
الأعظمِ وهو يصلِّي ، فسمعِ قوماً يقولونَ : هذا يبايعُ للحسينِ ، فجاءَ
فجلسَ إِلى جنبهِ حتّى فرغ من صلاتِه ، ثمّ قالَ : ياعبدَ اللهِّ ! إِنِّي
امرؤٌ من أهلِ الشّامِ ، أنعمَ اللهُّ عليَّ بحبِّ أهلِ هذا البيتِ وحبِّ
مَنْ أحبَّهم ؛ وتَباكى له وقالَ : معي ثلاثة آلافِ درهمٍ ، أردتُ بها
لقاءَ رجلٍ منهم بلغَني أنّه قدمَ الكوفةَ يبايعُ لابنِ بنتِ رسولِ اللّهِ ،
فكنتُ أُريدُ لقاءه فلم أجدْ أَحداً يدلُّني عليه ولا أعرفُ مكانَه ،
فإِنِّي لجالسٌ في المسجدِ الان إِذْ سمعتُ نفراً منَ المؤمنينَ يقولونَ :
هذا رجلٌ له علمٌ بأَهلِ هذا البيتِ ، ِوانِّي أتيتُكَ لتقبضَ منَي هذا
المالَ وتُدخِلني على صاحبكَ ، فإِنما أنا أَخٌ من إِخوانِكَ وثقةٌ عليكَ ،
وِان شئتَ أخذتَ بيعتي له قبَلَ لقائه.

فقالَ له مسلمُ بنُ عوسجة رحمه اللّه : احمد اللهَّ على لقائكَ إِيّايَ
فقد سرَني ذلكَ ، لتنال الّذي تحبُّ ، ولينصر اللّهُ بكَ أهلَ بيتِ نبيِّه
عليه والهِ السّلامُ ، ولقد ساءَني معرفةُ النّاسِ إِيّايَ بهذا إلأَمر
قبلَ أَن يتمَّ ، مخافةَ هذا الطاغيةِ وسطوته ؛ فقالَ له معقلٌ : لا يكون
إلأ خيراً، خُذِ البيعةَ عليَّ ، فأَخذَ بيعتَه وأَخذَ عليه المواثيقَ
المغلَّظةَ لَيُناصِحَنَّ ولَيَكْتُمَنَّ ، فأَعطاه من ذلكَ ما رضيَ به ،
ثمّ قال له : اختلفْ إِليَّ أيّاماً في منزلي فأنا طالبٌ لكَ الأذنَ على
صاحبكَ.
فأَخذَ يختلفُ مع النّاسِ ، فطلبَ له الأذنَ فأُذِنَ له ،
فأَخذَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رضيَ اللّه عنه بيعتَه ، وأمرَ أَبا ثُمامةَ
الصائديَّ فقبضَ المالَ منه ، وهو الّذي كانَ يَقبضُ أموالَهمِ وما يُعينُ
به بعضُهم بعضاً، ويشتري لهم السِّلاحَ ، وكانَ بصيراًَ ومن فرسانِ العربِ
ووُجوهِ الشِّيعةِ.

وأَقبل ذلكَ الرّجلُ يختلفُ إِليهم ، وهو أَوّلُ داخلٍ وآخرُ خارج ، حتّى
فَهِمَ ما احتاجَ إِليه ابنُ زيادٍ من أَمرِهم ، وكانَ يُخبرهُ به وقتاً
فوقتاَ. وخافَ هانئً بنُ عُروةَ عبيدَاللهّ بن زيادٍ على نفسِه فانقطعِ من
حضور مجلسِه وتمارضَ ، فقالَ ابنُ زيادٍ لجلسائه : ما لي لا أَرى هانئاً؟
فقالوا : هو شاكٍ ، فقالَ : لو علمتُ بمرضِه لَعُدْته ، ودعا محمّدَ بنَ
الأشعثِ وأسماءَ بنَ خارجةَ وعمرو بنَ الحجّاجِ الزُّبيديّ ، وكانتْ
رُوَيحةُ بنتُ عمرو تحتَ هانئ بنِ عُروةَ وهي أُمُّ يحيى بن هانئ ، فقالَ
لهم : ما يمنعُ هانئ بنَ عُروةَ من إِتيانِنا؟ فقالوا : ما نَدري وقد قيلَ
إِنّه يشتكي ؟ قالَ : قد بلغَني أنّه قد بَرِىءَ وهو يجلسُ على بابِ دارِه ،
فالْقَوْه ومروه ألاّ يَدَعَ ما عليه من حقِّنا، فإِنِّي لا أحبُّ أن
يَفسدَ عندي مثلُه من أشرافِ العرب.

فأتَوْه حتّى وقفوا عليه عشيّةً وهو جالسُ على بابه ، فقالوا : ما يمنعُكَ
من لقاءِ الأمير؟ فإِنّه قد ذكرَكَ وقالَ : لو أعلمُ أَنّه شاكٍ لَعُدْته ،
فقالَ لهم : الشّكوى تَمنعُني ، فقالوا له : قد بلغَه انّكَ تجلسُ كلَّ
عشيّةٍ على باب دارِكَ ، وقدِ استبطأكَ ، والإبطاءُ والجَفاءُ لا يحتملُه
السًّلطانُ ، أقسَمْنَا عليكَ لمّا ركبتَ معَنا. فدعا بثيابه فلبسَها ثمّ
دعا ببغلتِه فركبَها، حتّى إِذا دنا منَ القصرِ كأنّ نفسهَ أحسّتْ ببعضِ
الّذي كانَ ، فقالَ لحسّان بن أسماء بن خارجة : يا ابن أخي إِنِّي واللّهِ
لهِذا الرّجلِ لَخائفٌ ، فما تَرى؟ قال : أيْ عمّ ! واللهِّ ما أَتخوّفُ
عليكَ شيئاً، ولَمْ تَجعلْ على نفسِك سبيلاً، ولم يكنْ حسّان يعلمُ في
أَيِّ شيءٍ بعثَ إِليه عبيدُاللّهِ.

فجاءَ هانئ حتّى دخلَ على ابنِ زيادٍ ومعَه القومُ ، فلمّا طلعَ قالَ ابنُ زيادٍ : أتَتْكَ بحائنٍ رِجلاه.
فلمّا دنا من ابنِ زيادٍ - وعندَه شُريحٌ القاضي - التفتَ نحوَه فقالَ :
أُريدُ حِبَاءهُ وَيُرِيْدُ قَتْلي عَذِيْرَكَ مِنَ خَلِيْلِكَ مِنْ
مُرَادِ
وقد كانَ أوّل (مادخلَ)عليه مُكرِماً له مُلطِفاً، فقالَ له هانئ : وما
ذلكَ أيًّها الأَميرُ؟ قالَ : إٍ يهٍ يا هانئ بنَ عُروِةَ، ما هذهِ الأمورُ
الّتي تَرَبّصُ في دارِكَ لأَميرِ المؤمنين وعامّةِ المسلمين ؟ جئتَ بمسلم
بنِ عقيلٍ فأَدخلتَه دارَك وجمعتَ له السِّلاحَ والرجالَ في الدُّورِ
حولَكَ ، وظننتَ أَنّ ذلكَ يخفى عليّ ، فقالَ : ما فعلتُ ، وما مسلم عندي ،
قالَ : بلى قد فعلتَ.
فلمّا كثرَ ذلكَ بينَهما، وأَبى هانئ إلاّ
مجاحَدَتَه ومنُاكَرتَه ، دعا ابنُ زيادٍ مَعْقِلاً - ذلكَ العَيْنَ -
فجاءَ حتّى وقفَ بين يديه ، فقالَ : أَتعرفُ هذا؟ قالَ : نعم ، وعلمَ هانئ
عندَ ذلكَ أَنّه كانَ عيناً عليهم ، وأَنه قد أَتاه بأَخبارِهم ، فأُسقطَ
في يدِه ساعةً ثم راجعتْه نفسه فقالَ : اسمعْ مني وصدَقْ مقالتي ، فواللهِّ
لا كذبتُ ، واللهِ ما دعوتُه إِلى منزلي ، ولا علمتُ بشيءٍ من أَمرِه حتّى
جاءَني يسأَلني النُزولَ فاستحيَيْتُ من ردِّه ، ودخلنَي من ذلكَ ذمامٌ
فضيَّفْتُه واويتُه ، وقد كانَ من أَمرِه ما كانَ بلغَكَ ، فإِن شئتَ أن
أعطيَكَ الآنَ مَوْثقاً مُغَلَّظاً ألاّ أَبغيَكَ سوءاً ولا غائلةً،
ولآتِيَنَّكَ حتّى أَضعَ يدي في يدِكَ ، ِوان شئتَ أَعطيتُكَ رهينةً تكونُ
في يدِكَ حتّى آتيَكَ ، وأَنطلق إِليه فآمره أن يخرجَ من داري إِلى حيثُ
شاءَ منَ الأَرضِ ، فأَخرج من ذمامِه وجوارِه.
فقالَ له ابنُ زيادٍ :
واللهِّ لا تفارقني أبداً حتّى تَأْتِيَني به ، قالَ : لا واللهِ لا آتيكَ
به أبداً، أجيئُكَ بضيفي تَقتلُه ؟ ! قالَ : واللّهِ لَتَأْتِيَنَّ به ،
قالَ : لا واللّهِ لا آتيكَ به.

فلمّا كثرَ الكلامُ بينَهما قامَ مسلمُ بنُ عمرو الباهليّ - وليسَ
بالكوفةِ شاميٌ ولا بصريٌّ غيره - فقالَ : أصلحَ اللهُّ الأميرَ، خلِّني
وِايّاه حتّى أُكَلِّمَه ، فقامَ فخلا به ناحيةً من ابنِ زيادٍ ، وهما منه
بحيثُ يَراهما ، وِاذا رفعا أصواتَهما سمعَ ما يقولانِ ، فقالَ له مسلمٌ :
يا هانئ إِنِّي أنْشُدُكَ اللهَ أن تقتلَ نفسَكَ ، وأنْ تُدخِلَ البلاءَ
على عشيرتِكَ ، فواللّهِ إِنّي لأنْفَسُ بكَ عنِ القتلِ ، إِنّ هذا الرّجلَ
ابنُ عمِّ القوم وليسوا قاتِليه ولا ضائريه ، فادفعْه إِليه فإِنّه ليسَ
عليكَ بذلكَ مَخزاةٌ ولا مَنقصةٌ ، إِنّما تَدفعُه إِلى السُّلطانِ.

فقالَ هانئ : واللهِّ إِنّ عليَّ في ذلكَ للخزي والعار، أنا أدفعُ جاري
وضيفي وأنا حيٌّ صحيحٌ أسمعُ وأرى، شديدُ السّاعدِ، كثيرُ الأعوانِ ؟ !
واللهِّ لو لم أكن إلاّ واحداَ ليسَ لي ناصرٌ لم أدفعْه حتّى أموتَ دونَه.
فأخذَ يُناشدُه وهو يقولُ : واللّهِ لا أدفعُه أبد.

فسمعَ ابنُ زيادٍ ذلكَ فقالَ : أدْنُوه منِّي ، فادْنيَ منه فقالَ :
واللّهِ لَتَأْتِيَنِّي به أو لأضْربَنَ عُنقَكَ ، فقالَ هانئ : إِذاً
واللّهِ تكثر البارِقة حولَ دارِكَ فقالَ ابنُ زيادٍ : والهفاه عليكَ !
أبالبارِقةِ تُخوِّفُني ؟ وهو يظنُّ أنّ عشيرتَه سيمنعونه ؛ ثّم قالَ :
أدْنُوه منيِّ ، فادنِيَ ، فاعترضَ وجهَه بالقضيبِ فلم يَزَلْ يَضربُ وجهَه
وأنفَه وجبينَه وخدَّه حتّى كَسرَ أَنفَه وسَيَّلَ الدِّماءَ على ثيابِه ،
ونثرَلحمَ خدِّه وجبينهِ على لحيتهِ ، حتّى كسرَ القضيب.
وضربَ هانئ
يدَه إِلى قائم سيفِ شُرَطِيٍّ ، وجاذبَه الرّجلُ ومنَعه ، فقالَ
عبيدُاللّهِ : أَحَرُوْرِيٌّ سائرَ اليوم ؟ قد حلَّ لنا دمُكَ ، جرُّوه ،
فَجرَّوه فألقَوْه في بيتٍ من بيوتِ الدّارِ، وأَغلقوا عليه بابَه ، فقالَ :
اجعلوا عليه حَرَساً، ففُعِلَ ذلكَ به ، فقام إِليه حسّانُ بنُ أَسماء
فقالَ له : أرُسُلُ غَدْرٍ سائرَ اليوم ؟ أَمرْتَنا أَن نجيئكَ بالرّجلِ ،
حتّى إِذا جئناك به هَشَمْت وجهَه وسيَّلتَ دماءه على لحيتِه ، وزعمتَ
أَنّكَ تقتلُه.
فقالَ له عُبيدُاللهِّ : ِوانّكَ لَهاهنا، فأَمَرَ به فلُهِز وتُعْتِعَ ثمّ أُجلسَ ناحيةً.
فقالَ محمّدُ بنُ الأشعثِ : قد رَضِيْنا بما راه الأَميرُ، لنا كانَ أَو
علينا ، إِنّما الأميرُ مؤدِّبٌ.
وبلغَ عمرو بنَ الحجّاجِ أَنّ هانئاً قد قُتِلَ ، فأَقبلَ في مَذْحِج حتّى
أَحاطَ بالقصرِ ومعَه جمعٌ عظيمٌ ، ثمّ نادى : أَنا عمرو بنُ الحجّاجِ ،
وهذه فُرسانُ مَذْحِج ووُجوهُها ، لم تَخلعْ طاعةً ، ولم تُفارقْ جماعةً ،
وقد بلغَهم أَنّ صاحبَهم قد قُتِلَ فأَعظَموا ذلكَ.
فقيلَ لعبيدِاللّهِ
بنِ زيادٍ : هذه مَذْحِج بالباب ، فقال لشريحٍ القاضي : ادخلْ على صاحبهم
فانظُرْ إِليه ، ثمّ اخرُجْ وأَعلِمْهم أَنّه حيٌّ لم يُقتَلْ.
فدخلَ
فنظرَ شُريحٌ إِليه ، فقالَ هانئ لمّا رأَى شُريحاً : يا للهِّ ! يا
للمسلميمنَ ! أَهَلَكَتْ عشيرتي ؟ ! أَينَ أَهلُ الدِّين ؟ ! أَينَ أَهلُ
البَصَر؟ ! والدِّماءُ تَسيلُ على
لحيتِه ، إِذ سمعَ الرّجّةَ على باب القصرِ فقالَ : إِنِّي لأَظنُّها
أَصواتَ مَذْحِج وشيعتي منَ المسلمينَ ،َ إِنّه إِن (دَخَلَ عليّ) عشرةُ
نفرٍ أَنقذوني.
فلمّا سمعَ كلامَه شُريحٌ خرجَ إِليهم فقالَ لهم : إِنّ
الأميرَ لمّا بلغَه مكانُكم ومقالتُكم في صاحبكم ، أَمرَني بالدُّخولِ
إِليه فأتيتُه فنظرت إِليه ، فأَمرَني أَن أَلقاكم وأَن أًّعلمَكم أنّه
حيٌ ، وأَنّ الّذي بلغَكم من قتلِه باطل ، فقالَ عمرُو بنُ الحجّاجِ
وأَصحابُه : أَمّا إِذْ لم يُقْتَلْ فالحمدُ للّهِ ، ثمّ انصرفو.

وخَرجَ عبيدُاللّهِ بن زيادٍ فصعدَ المنبرَ، ومعَه أَشرافُ النّاس وشُرَطهُ وحَشَمُه ، فقالَ :
أَمّا بعدُ : أَيُّها النّاسُ فاعتصِمُوا بطاعةِ اللّهِ وطاعةِ أئمّتِكم ،
ولا تَفرقوا فتَهلِكُوا وتَذِلُّوا وتُقْتَلوا وتُجْفَوا وتًحرَبوا، إِنَّ
أَخاك منْ صَدَقَكَ ، وقد أَعذَرَ مَنْ أنذَرَ. ثمّ ذهبَ لِيَنزلَ فما
نزلَ عنِ المنبرِحتّى دخلتِ النّظّارةُ المسجدَ من قِبَلِ باب التّمّارينَ
يَشتدُّون ويَقولونَ : قد جاءَ ابنُ عقيلٍ !قد جاءَ ابنُ عقيلٍ !فدخل
عبيدُاللّهِ القصرَمُسرِعاً وأَغلقَ أبوابَه.

قالَ عبدُاللّه بن حازمٍ : أنا واللهِّ رسولُ ابنِ عقيلٍ إِلى القصرِ
لأنظرَ ما فعلَ هانئ، فلمّا حُبِسَ وضُرِبَ ركبتُ فرسي فكنتُ أَوّلَ أَهل
الدَّارِ دخلَ على مسلمِ بنِ عقيلٍ بالخبرِ، فإِذا نِسوةٌ لِمُرَاد
مُجتمعات يُنادِيْنَ : يا عَبرتاه ! يا ثُكلاه ! فدخلتُ على مسلمِ بنِ
عقيلٍ فأخبرتُه فأَمرَني أَن أُناديَ في أصحابِه وقد ملأ بهم الدُّورَ
حولَه ، وكانوا فيها أَربعةَ آلافِ رجلٍ ، فناديتُ : يا منصورُ أمِتْ ،
فتَنادى أهل الكوفةِ واجتمعوا عليه ، فعقدَ مسلمٌ لرؤوسِ الأرباعِ على
القبائل كِنْدَةَ ومَذْحِجَ وأسَدَ وتَمِيْمَ وهَمْدَانَ ، وتَداعى النّاسُ
واجتمعوا، فما لبثْنا إلاّ قليلاً حتّى امتلأ المسجدُ منَ النّاسِ
والسُّوقُ ، وما زالوا يَتَوَثَّبون حتّى المساءِ ، فضاقَ بعبيدِاللهّ
أمرُه ، وكانَ أَكثر عملِه أن يُمسِكَ بابَ القصر وليسَ معَه في القصرِ
إلاّ ثَلاثونَ رجلاً منَ الشُّرَطِ وعشرونَ رجلاً من أشرافِ النّاسِ وأهلِ
بيتهِ وخاصّته ، وأقبلَ مَنْ نأَى عنه من أشرافِ النّاسِ يأْتونَه من قِبَل
الباب الّذي يلي دارَ الرُّوميِّينَ ، وجعلَ مَنْ في القصرِ معَ ابن زيادٍ
يُشرِفونَ عليهِمَ فينظرونَ إِليهم وهم يرمونَهم بالحجارةٍ ويَشتمونَهم
ويَفترونَ على عبيدِاللهِّ وعلى أبيه.
ودعا ابنُ زيادٍ كَثِيرَ بنَ شهابِ وأمرَه أن يَخرجَ فيمن أطاعَه من
مَذْحِج ، فيسيرَ في الكوفةِ ويخذِّلَ النّاَسَ عنِ ابن عقيلٍ ويخوِّفَهم
الحربَ ويحذِّرَهم عقوبةَ السُّلطانِ ، وأَمرَ محمّدَ بنَ الأشعثِ أن
يَخرجَ فيمن أطاعَه من كِنْدةَ وحَضْرَمَوْتَ ، فيرفعَ رايةَ أمانٍ لمن
جاءه منَ النّاسِ ، وقالَ مثلَ ذلكَ للقَعْقاعِ الذُّهْليِّ وشَبَثِ بنِ
رِبعيٍّ التّميميِّ وحَجّارِبن أبجَر العِجليِّ وشمرِ بنِ ذي الجوشنِ
العامريِّ ، وحبسَ باقيَ وجوهِ النّاسِ عندَه استيحاشاً إِليهم لقلّةِ عددِ
من معَه منَ النّاس.
فخرجَ كَثيرُبنُ شِهابٍ يُخذِّلُ النّاسَ عنِ ابنِ عقيلٍ ، وخرجَ محمّدُ
ابنُ الأشعثِ حتّى وقفَ عندَ دُورِ بني عُمارةَ، فبعثَ ابنُ عقيلٍ إِلى
محمّدِ ابن الأشعثِ منَ المسجدِ عبدَ الرّحمن بن شريحٍ الشِّباميّ ، فلمّا
رأَى ابنُ الأشعثِ كثرةَ من أَتاه تأَخّرَ عن مكانِه ، جعلَ محمّدُ بنُ
الأشعثِ وكثِيرُبنُ شِهابِ والقَعْقَاعُ بنُ شَوْر الذُّهليّ وشَبَثُ بنُ
رِبعيٍ يَرُدُّونَ النّاسَ عنِ اللحوقِ بمسلمٍ ويخوِّفونَهمُ السُّلطانَ ،
حتّى اجتمعَ اليهم عددٌ كثيرٌ من قومِهم وغيرهم ، فصاروا إِلى ابنِ زيادٍ
من قِبَلِ دارِ الرُّومييّنَ ودخلَ القوم معَهم ، فقالَ له كَثِيرُبنُ
شهابٍ : اصلح اللهُّ الأَميرَ، معَكَ في القصرِ ناسٌ كثيرٌ من أشرافِ
النّاسِ ومن شُرَطِكَ واهلِ بيتِكَ ومَواليكَ ، فاخرُجْ بنا إِليهم ، فأبى
عُبيدُاللّهِ ؟ وعقدَ لشَبَث بن رِبْعيٍّ لواءً فأَخرجَه.

وأقامَ النّاس معَ ابنِ عقيلٍ يَكثرونَ حتّى المساءِ وأَمرُهم شديدٌ ،
فبعثَ عُبيدُاللهِّ إِلى الأَشرافِ فجمعَهم ، ثمّ أَشرفوا على النّاسِ
فَمَنَّوا أَهلَ الطّاعةِ الزِّيادةَ والكرامةَ ، وخَوَّفوا أهلَ العصيانِ
الحرمانَ والعقوبةَ ، وأَعلَموهم وصولَ الجندِ منَ الشّام إِليهم.

وتكلّمَ كَثِيرٌ حتّى كادتِ الشّمسُ ان تَجبَ ، فقالَ : أيُّها النّاسَُ
الحقوا بأهاليكم ولا تَعَجَّلوا الشّرَّ، ولا تُعَرِّضواَ أنفسَكم للقتل ،
فإِنَّ هذه جنودُ أميرِ المؤمنينَ يزيدَ قد أقبلتْ ، وقد أعطى اللهَّ
الأميرُ عهدا ً: لئن تَمَّمْتًم على حربه ولم تَنصرِفوا من عشيّتِكم (أن
يَحْرِم) ذُرِّيَّتَكم العطاءَ، ويُفرِّقَ مُقاتِلتًكم في مَغازي الشّامِ ،
وأن يأخذَ البريءَ بالسّقيمِ والشّاهدَ بالغائبِ ، حتّى لا
تبقى له بقيّةٌ من أَهلِ المعصيةِ إلاّ أذاقَها وبالَ ما جنتْ أيديه.
وتكلّمَ الأشرافُ بنحوٍ من ذلكَ.

فلمّا سمعَ النّاسُ مقالَهم أخذوا يتفرّقونَ ، وكانتِ المرأةُ تأْتي ابنَها
أَو أَخاها فتقولُ : انْصَرِفْ ، النّاسُ يَكفونَكَ ؛ ويجيءُ الرّجلُ إِلى
ابنهِ وأَخيه فيقولُ : غداً يأْتيكَ أَهلُ الشّام ، فما تَصنعُ بالحرب
والشّرِّ؟ انْصَرِفْ ؛ فيذهبُ به فينصرفُ.
فما زالَوا يتفرّقون حتّى
أمسَى ابنُ عقيلِ وصلّى المغربَ وما (معَه إلاّ ثلاثونَ) نَفْساً في
المسجدِ، فلمّا رأى أَنّه قد أًمسى وما معَه إلاّ أُولئكَ النّفرُ، خرجَ
منَ المسجدِ متوجِّهاً نحوَ أَبواب كِنْدةَ، فما بلغَ الأَبوابَ ومعَه منهم
عشرة، ثمّ خرجِ منَ الباب فإذا لَيسَ معَه إِنسانٌ ، فالتفتَ فإِذا هو لا
يُحِسُّ أَحداًَ يَدُلّه علىَ الطّريقِ ، ولا يَدُلًّه على منزلِه ، ولا
يُواسيه بنفسِه إِن عرضَ له عدوّ.
فمضى على وجهِه مُتَلدَداً في أَزِقّةِ الكوفةِ لا يدري أينَ يذهبُ ، حتّى
خرجَ إِلى دورِ بني جَبَلَةَ من كنْدَةَ، فمشى حتّى انتهى إِلى بابِ
امرأةٍ يُقالُ لها : طَوْعَةُ، أُمُّ ولدٍ كانتْ للأَشعثِ بنِ قيسٍ
فأعتقَها، فتزوّجَها أسَيْدٌ الحضرميُّ فولدتْ له بِلالاً، وكان بِلالٌ قد
خرجَ معَ النّاسِ فأُمُّه قائمةٌ تنتظرة ؛ فسلّمَ عليها ابنُ عقيلٍ فردّت
عليه فقالَ لها: يا أَمةَ اللّهِ اسقيني ماءً، فسقتْه وجلسَ وأَدخلتِ
ألإناءَ، ثمّ خرجتْ فقالتْ : يا عبدَاللّهِ ألم تشربْ ؟ قالَ : بلى، قالتْ :
فاذهبْ إِلى أَهلِكَ ، فسكتَ ثمّ أعادتْ مثلَ ذلكَ ، فسكتَ ، ثمّ قالتْ له
في الثّالثةِ : سُبحانَ اللهِّ ! يا عبدَ اللّهِ قُمْ عافاكَ اللّهُ إِلى
أَهلِكَ فإِنّه لا يَصلحُ لكَ الجلوسُ على بابي ، ولا أُحِلُّه لكَ.
فقامَ وقالَ : يا أَمةَ اللهِّ ما لي في هذا المِصر منزلٌ ولا عشيرةٌ ،
فهل لكِ في اجرٍ ومعروفٍ ، لعلِّي مُكافئًكِ بعدَ اليوم ، فقالتْ : يا
عبدَاللّهِ وما ذاكَ ؟ قالَ : أَنا مسلمُ بنُ عقيلٍ كَذَبَني هؤَلاءِ
القومُ وغَرُّوني وأَخرجوني ؟ قالتْ : أَنتَ مسلمٌ ؟ قالَ : نعم ؛ قالتْ :
ادخُلْ ، فدخلَ بيتاً في دارِها غيرِ البيتِ الّذي تكونُ فيه ، وفرشتْ له
وعرضتْ عليه العَشاءَ فلم يَتَعَش.

ولم يكنْ بأَسرعَ أَن جاءَ ابنها، فرآها تُكثِرُ الدُّخولَ في البيتِ
والخروجَ منه ، فقالَ لها: واللّهِ إِنّه لَيَرِيبُني كثرةُ دخولكِ هذا
البيتَ منذُ الليلةِ وخروجِكِ منه ؛ إِنّ لكِ لَشأناً؛ قالتْ : يا بُنَيَّ
الْه عن هذا؛ قالَ : واللهّ لَتخبرينني ؛ قالتْ : أَقبلْ على شأْنِكَ ولا
تسأَلنْي عن شيءٍ ، فَألح عليها فقالتْ : يا بُنَيّ لاَ تُخْبرَنَ أَحدآً
منَ النّاسِ بشيءٍ مما أُخبركُ به ؛ قالَ : نعم ، فأَخذتْ عليه اَلأَيمانَ
فحلفَ لها، فأَخبرتْه فاضطجعَ وسكتَ.

ولمّا تفرّقَ النّاسُ عن مسلمِ بنِ عقيلٍ طالَ على ابنِ زيادٍ وجعلَ لا
يَسمعُ لأَصحاب ابن عقيل صوتاً كما كانَ يَسمع قبلَ ذلكَ ؛ قال لأصحابه :
أشرِفُوا فانظُرُوا ، هل تَرَوْنَ منهم أحداًَ؟ فأشرفوا فلم يَرَوْا أَحداً
، قالَ : فانظُرُوا لعلّهم تحتَ الظلالِ وقد كَمنوا لكم ، فنزعوا تَخاتجَ
المسجدِ وجعلوا يخفضونَ شُعَلَ النّارِ في أَيديهم ويَنظرونَ ، فكانتْ
أَحيانا تُفيءُ لهم واحياناً تُضيءُ كما يُريدونَ ، فدلَّوُا القناديلَ
(وأَطنانَ القصب تًشَدُّ) بالحبالِ ثمّ تُجعلُ فيها النيرانُ ثمّ تُدلّى
حتّى تنتهيَ إِلى الأَرَض ، ففعلوا ذلكَ في أقصى الظَلال وأَدناها
وأَوسطِها حتّىٍ فُعِلَ ذلكَ بالظُّلّةِ الّتي فيها المنبر، فلمّا لم
يَرَوْا شيئاً أعلموا ابنَ زيادٍ بتفرّقِ القومِ ، ففتحَ بابَ السُّدّةِ
الّتي في المسجدِ ثمّ خرجَ فصعدَ المنبرَ وخرجَ أَصحابهُ معَه ، فأمرَهم
فجلسوا قُبَيل العَتَمةِ وأَمرَ عمرو بنَ نافع فنادى : أَلا بَرِئَتِ
ألذِّمّةُ من رجلٍ منَ الشّرَطِ والعُرفَاءِ والمنَاكب أَو المقاتِلةِ
صلّى العتمة إلاّ في المسجدِ، فلم يكنْ إلاّ ساعة حتى امتَلأ المسجدُ منَ
النّاسِ ، ثمّ أَمرَ مناديَه فأَقامَ الصّلاةَ ، وأَقامَ الحرسَ خلفَه
وأَمرَهم بحراسته من أَن يَدخلَ عليه أَحدٌ يَغتالهُ ، وصلىّ بالنّاس ثمّ
صعدَ المنبرَ فحمدَ اللهَّ وأَثنى عليه ثمّ قالَ :
أمَّا بعدُ : فإِنّ ابن عقيلٍ السّفيهَ الجاهلَ قد أَتى ما قد رأَيتم منَ
الخلافِ والشِّقاقِ ، فبَرئَتْ ذمّةً اللهِّ من رجلٍ وجدناه في دارِه ، ومن
جاءَ به فله دِيَتُه ، واتّقوا اللّهَ عبادَ اللّهِ والزموا طاعتَكم
وبيعتَكم ، ولا تجعلوا على أنفسِكم سبيلاًَ. يا حُصَينَ بنَ نُميرٍ ،
ثكلتْكَ أُمُّكَ إِن ضاعَ باب سكّةٍ من سككِ الكوفةِ، أوخرجَ هذا الرجلُ
ولم تأْتِني به ، وقد سلّطتُكَ على دورِ أَهلِ الكوفةِ، فابعثْ مراصدَ على
أهلِ السِّككِ ، وأصبحْ غداً فاسْتبِرِ الدُّورَ وجُسْ خلالَها حتّى
تأْتيني بهذا الرّجلِ.
وكانَ الحُصينُ بنُ نُميرٍ على شرَطِه وهومن بني تميم.
ثمّ دخلَ ابنُ زيادٍ القصرَ، وقد عقدَ لعمرو بنِ حُرَيثٍ رايةً وأمَّره على النّاسِ.
فلمّا أصبحَ جلسَ مجلسَه وأَذنَ للنّاسِ فدخلوا عليه ، وأقبلَ محمّدُ بنُ
الأَشعثِ ، فقالَ : مرحباً بمن لا يُسْتَغَشُّ ولا يُتَّهَمُ ، ثمّ أقعدَه
إِلى جنبِه.
وأصبحَ ابنُ تلكَ العجوز فغدا إِلى عبدِ الرحمنِ بنِ محمّدِ بن الأشعثِ
فأخبره بمكانِ مسلمِ بنِ عقيلٍ عندَ أُمِّه ، فأَقبلَ عبدُ الرّحمنِ حَتّى
أَتى أباه وهو عندَ ابنِ زيادٍ فسارَّه ، فعرفَ ابنُ زيادٍ سِراره فقالَ له
ابنُ زيادٍ بالقضيب في جنبِه : قُمْ فائتني به السّاعةَ، فقامَ وبعثَ معَه
قومه ، لأنّه قد علمَ أنَّ كلَّ قومٍ يَكرهونَ أن يصابَ فيهمِ (مسلمُ بنُ
عقيل) ، فبعثَ معَه عبيدَاللّه بن عبّاسٍ السُّلميّ في سبعين رجلاً من قيسٍ
، حتّى أتَوُا الدّارَ الّتي فيها مسلمُ بنُ عقيلٍ رحمَه اللهًّ ، فلمّا
سمعَ وَقْعَ حوافرِ الخيلِ وأَصواتَ الرِّجالِ علمَ أَنّه قد أُتيَ ، فخرجَ
إِليهم بسيفِه ، واقتحموا عليه الدًارَ، فشدَّ عليهم يَضرِبُهم بسيفهِ
حتّى أَخرجَهم منَ الدّارَ، ثمّ عادوا إِليه فشدَّ عليهم كذلكَ ، فاختلفَ
هو وبكرُ بنُ حُمرانَ الأَحمريّ فضربَ فمَ مسلمٍ فشقً شفتَه العُليا
وأَسرعِ السّيفُ فِى السًّفلى ونَصَلَتْ له ثَنِيَّتاه ، وضربَه مسلمٌ في
رأسِه ضربةَ مُنكَرةً وثنّاه بأخرى على حبلِ العاتقِ كادتْ تَطلعُ على
جوفِه ، فلمّا رأوا ذلكَ أشرفوا عليه من فوقِ البيتِ فأَخذوا يَرمونَه
بالحجارةِ ، ويُلهِبونَ النّارَ في أطنانِ القصبِ ثمّ يُلقونَها عليه من
فوقِ البيتِ ، فلمّا رأَى ذلكَ خرجَ عليهم مُصلِتاً بسيفِه في السِّكّةِ،
فقالَ له محمّدُ بنُ الأشعثِ : لكَ الأمانُ ، لا تَقتلْ نفسَكَ ؟ وهو
يُقاتِلهُم ويقولُ :

أقْسَمْــــتُ لا أُقـْـتَلُ إِلا حـــُرُّا إِنِّيْ رَأَيْتُ المْوَتَ شَيْئَاً نُكْرَاُ

ويجعَلُ الْبَارد َسُخْنَا ًمُرًا رُدَّ شُعَــاعُ الـشَّمْسِ فــاستقرَّا

كلّ امْرِىءٍ يَوْمَاً مُلاَقٍ شــرًّا أَخــَـافُ أَنْ أُكـــْذَبَ أَوْ أُغـــــَرَّا

فقالَ له محمّدُ بنُ الأَشعثِ : إِنّكَ لا تُكذَب ولا تُغَّرُ، فلا تَجزعْ ، إِنّ القومَ بنو عمِّكَ وليسوا بقاتِليكَ ولا ضائريكَ .









}
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جبل الحب
،،* المدير *،،
،،* المدير *،،


عًدَدٌ ـآلمُسًآهمـآإت عًدَدٌ ـآلمُسًآهمـآإت : 8869
السٌّمعَة السٌّمعَة : 618
تًآرٍيِـِخٌ ـآلتًسَجٍيِلٌ تًآرٍيِـِخٌ ـآلتًسَجٍيِلٌ : 13/06/2009
العمر العمر : 20

مُساهمةموضوع: رد: قصة استشهاد الامام الحسين (ع) واقعة الطف    السبت أغسطس 20, 2011 11:36 pm

يتبع

وكانَ قد أُثْخِنَ بالحجارةِ وعجزَ عنِ القتالِ ، فانبهرَ وأَسندَ ظهرَه
إِلى جنب تلكَ الدّارِ، فأَعادَ ابنُ الأَشعثِ عليه القولَ : لكَ الأَمانُ ،
فقالَ : آمِنٌ أَنا؟ قالَ : نعم.
فقالَ للقوم الّذينَ معَه : لي
الأمانُ ؟ فقالَ القومُ له : نعم ، إلاّ عبيدَاللّه بن العبّاسَِ السُّلميّ
فإِنّه قالَ : لا ناقةَ لي في هذا ولا جَمل ، وتنحّى؟ فقالَ مسلمٌ : أَما
لو لم تُؤَمِّنوني ما وضعتُ يدي في أَيديكم.

وأُتِيَ ببغلةٍ فحُمِلَ عليها، واجتمعوا حولَه وانتزعوا سيفَه ، فكأَنّه
عندَ ذلكَ أيِسَ من نفسهِ ودمعتْ عيناه ، ثمّ قالَ : هذا أوّلُ الغدرِ،
قالَ له محمّدُ بنُ الأشعثِ : أَرجوألاّ يكونَ عليكَ باْسٌ ، فقالَ : وما
هوإلاّ الرّجاءُ ، أَينَ أمانُكم ؟ إِنّا للهِّ وِانّا إِليه راجعونَ !
وبكى ، فقالَ له عبيدُاللّه ابن العبّاسِ السُّلمي :إنّ من يَطلبُ مثلَ
الّذي تطلبُ ، إِذا نزلَ به مثلُ الّذي نزلَ بكَ لم يبك.
قالَ : إنِّي
واللّهِ ما لنفسي بكيت ، ولا لها منَ القتل أرثي ، ِوان كنتُ لم أحبّ لها
طرفةَ عينٍ تلفاً، ولكنْ أبكي لأهلي المُقبِلينَ إِليّ ، أَبكي للحسينِ
عليه السّلامُ والِ الحسين.

ثمّ أقبلَ على محمّدِ بنِ الأشعثِ فقالَ : يا عبدَاللّهِ إِنِّي أَراكَ
واللّهِ ستعجزُ عن أَماني ، فهل عندَكَ خيرٌ ؟ تَستطيعُ أَن تَبعثَ من
عندِكَ رجلاً على لساني أَن يُبلِّغَ حسيناً؟ فإنِّي لا أَراه إِلاّ قد
خرجَ إِليكمُ اليومَ مقبلاً أو هو خارجٌ غداً وأَهل بيتهِ ، ويقولَ له :
إِنّ ابنَ عقيلٍ بعثَني إِليكَ وهو أسيرٌ في أيدي القوم ، لا يرى أَنّه
يمسي حتّى يُقتَل ، وهو يقولُ : ارجعْ فداكَ أبي وأُمِّي بأهلِ بيتِكَ ولا
يَغُرَّكَ أهلُ الكوفةِ، فإِنّهم أصحابُ أَبيكَ الّذي كانَ يتمنّى فراقَهم
بالموتِ أوِ القتلِ ، إِنّ أهلَ الكوفة قد كَذَبوكَ وليسَ لمكذوب رأْيٌ.
فقالَ ابنُ الأشعثِ : واللّهِ لأفعلَنَ ولأعْلِمَنَّ ابنَ زيادٍ أنِّي قد
آمنْتُكَ.
وأقبلَ ابنُ الأشعثِ بابنِ عقيلٍ إِلى باب القصرِ، فاستاْذنَ فأُذِنَ له
فدخلَ على ابنِ زيادٍ فأَخبرَه خبرَ ابنِ عقيلٍَ وضَرْبَ بَكْرٍ إِيّاه وما
كانَ من أَمانِه له ، فقالَ له عبيدُاللهِّ : وما أنتً والأمانَ ، كأنّا
أرسلناكَ لِتُؤمنَه ! إِنمّا أرسلناكَ لتأْتينا به ، فسكتَ ابن الأَشعثِ ،
وانتُهِيَ بابنِ عقيلٍ إِلى بابِ القصرِ وقدِ اشتدَّ به العطشُ ، وعلى باب
القصرِ ناسٌ جلوسٌ ينتظرونَ الإذنَ ، فيهم عُمارةُ بنُ عقبة بن أبي
مُعَيْطٍ ، وعمرُو بن حُرَيثٍ ، ومسلمُ بنُ عمرو، وكثيرُ بنُ شهابِ ؛ ِواذا
قُلّةٌ باردةٌ موضوعة على الباب ، فقالَ مسلمٌ : اسقوني من هذا المَاء ِ،
فقالَ له مسلمُ بنُ عمرو: أتَراها؟َ ما أبردَها! لا واللّهِ لا تذوقُ منها
قطرةً أبداً حتّى تذوقَ الحميمَ في نار ِجهنّمَ.
فقالَ له ابنُ عقيلٍ
رضيَ اللّهُ عنه : ويلَكَ مَنْ أنت ؟ قالَ : أنا مَنْ عَرفَ الحقَّ إِذ
أنكرتَه ، ونصحَ لإمامِه إِذ غَشَشْتَه ، وأطاعَه إِذ خالفتَه ، أنا مسلمُ
ابنً عمرو الباهليّ ، فقالَ له مسلمُ بنُ عقيلٍ : لأمِّكَ الثّكلُ ، ما
أجفاكَ وأفظَّكَ وأقسى قلبَكَ ! أنتَ يا ابنَ باهلةَ أولى بالحميمِ
والخلودِ في نارِ جهنّمَ منِّي.
ثمّ جلسَ فتساندَ إِلى حائطٍ. وبعثَ
عمرُو بنُ حُرَيثٍ غلاماً له فجاءه بقُلّةٍ عليها مِنديلٌ وقدح ، فصبَّ فيه
ماءً فقالَ له : اشربْ ، فأخذَ كلما شَربَ امتلأ القدحُ دماً مِنْ فيه فلا
يقدر أن يشربَ ، ففعلَ ذلكَ مرّةً ومرّتينِ ، فلمّا ذهبَ في الثّالثةِ
ليشربَ سقطتْ ثَنِيَّتاه في القدحِ ، فقالَ : الحمدُ للّهِ ، لوكانَ لي
مِنَ الرِّزقِ المقسوم شربتهُ.

وخرجَ رسول ابَنِ زيادٍ فأمرَ بإِدخالهِ إِليه ، فلمّا دخلَ لم يستَمْ عليه
بالأمرةِ، فقالَ له الحَرسِيُّ : ألا تُسلَمُ على الأميرِ؟ فقالَ : إِن
كانَ يُريدُ قتلي فما سلامي عليه ؟ وِان كانَ لا يُريدُ قتلي لَيَكثُرَنَ
سلامي عليه.
فقال له ابنُ زيادٍ : لَعَمْري لَتُقْتَلَنَّ ؛ قالَ :
كذلكَ ؟ قالَ : نعم ؛ قالَ : فدَعنْي أُوصِ إِلى بعضِ قومي ؛ قالَ : افعلْ
، فنظرَ مسلمٌ إِلى جُلَسائه وفيهم عُمَرُ بن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ فقالَ :
يا عمر، إِنّ بيني وبينَكَ قرابةً، ولي إِليكَ حاجة، وقد يَجِبُ لي عليكَ
نُجْحُ حاجتي وهي سِر؛ فامتنعَ عُمَرُ أن يَسمعَ منه ، فقالَ له
عُبيدُاللّهِ :ِ لمَ تَمتنعُ أن تنظرَ في حاجةِ ابنِ عمِّكَ ؟ فقامَ معَه
فجلسَ حيثُ يَنظرُ إِليهما ابنُ زيادٍ ، فقالَ له : إِنَ عليَّ ديناً
بالكوفةِ استدنتُه منذُ قَدمتُ الكوفةَ سبعمائةِ دِرهمٍ » فاقْضِها عنِّي ،
ِواذا قُتِلْتُ فاستوهِبْ جُثّتي من ابنِ زيادٍ فوارِها ، وابعثْ إِلى
الحسينِ من يَرُدُّه ، فإِنِّي قد كتبتُ إِليه أُعْلِمُه أنّ النّاسَ معَه ،
ولا أراه إلاّ مُقبلاًَ؟ فقالَ عُمَرُ لابنِ زيادٍ : أتَدري أيُّها
الأميرُ ما قالَ لي ؟ إِنّه ذَكرَ كذا وكذا، فقالَ له ابنُ زيادٍ : إِنّه
لا يَخونُكَ الأمين ولكنْ قد يؤتَمَنُ الخائنٌ ! أمّا مالُكَ فهو لكَ
ولسنا نَمْنَعُكَ أن تَصنعَ به ما أحببتَ ، وأمّا جُثّتًه فإِنّا لا نُبالي
إِذا قتلْناه ما صُنِعَ بها، وأمّا حسينٌ فإِنْ هو لم يُرِدْنا لم نرده.

ثمّ قالَ ابنُ زيادٍ.
إِيهٍ يا ابنَ عقيلٍ ، أَتيتَ النّاسَ وهم جميعٌ فشتَّتَّ بينَهم ، وفرّقتَ كلمتَهم ، وحملتَ بعضَهم على بعضٍ.

قالَ : كلاّ، لستُ لذلكَ أتيتُ ، ولكنّ أهلَ المصرِ زعموا أنّ أباكَ قتلَ
خيارَهم وسفكَ دماءهم ، وعملَ فيهم أعمالَ كِسرىَ وقَيْصَر، فأتيْناه
لنأْمرَ بالعدلِ ، وندعوَ إِلى حكمِ الكتابِ.

فقالَ له ابن زيادٍ : وما أنتَ وذاكَ يا فاسقَ ؟ِ َلم لَمْ تَعملْ فيهم
بذاك إِذ أَنتَ بالمدينةِ تشربُ الخمرَ؟
قالَ : أنا أَشربُ الخمرَ؟! أَمَ واللّهِ إِنّ اللهَّ لَيَعلم أَنّكَ
تَعلمُ أَنّكَ غيرُ صادقٍ ، وأنَّكَ قد قلتَ بغيرعلمٍ ، وانِّي لستُ كما
ذكرتَ ، وانّكَ أحقُّ بشرب الخمرِ منِّي ، وأَوَلى بها من يَلِغُ في دماءِ
المسلمينَ وَلْغاً، فيقتلُ النّفس الّتي حرّمَ اللّه قتلَها، ويسفكُ الدّم
الحرامَ على الغصب والعداوةِ وسوء الظّنِّ ، وهو يلهو ويلعبُ كأَنْ لم
يصنعْ شيئ.

فقالَ له ابنُ زيادٍ : يا فاسقُ ، إِنّ نفسَكَ تُمنِّيكَ ما حالَ اللّه دونَه ، ولم يرك الله له أهلاً.
فقالَ مسلمٌ : فمَنْ أَهلُه إِذا لم نكنْ نحن أَهلَه ؟!
فقالَ ابنُ زيادٍ : أَميرُ المؤمنينَ يزيدُ.

فقالَ مسلمٌ : الحمدُ للّهِ على كلِّ حالٍ ، رضيْنا باللّهِ حَكَم.

بينَنا وبينَكم.
فقالَ له ابنُ زيادٍ : قتلَني اللّه إن لم أَقتلْكَ قِتلةً لم يُقتَلْها
أحدٌ في الإسلام منَ النّاسِ.
قالَ له مسلمٌ : أَما إِنّك أَحقًّ مَنْ أَحدثَ في الإسلام ما لم يكنْ ،
وِانّك لاتَدَعُ سوءَ القِتلةِ وقُبحَ المُثلةِ وخبثَ السِّيَرةِ ولُؤْمَ
الغلبةِ.
فأَقبل ابن زيادٍ يشتمُه ويشتمُ الحسين وعليّاً وعقيلاً عليهم الصّلاةُ
والسّلامُ ، وأَخذَ مسلمٌ لا يُكَلِّمُه.

ثمّ قالَ ابنُ زيادٍ : اصعدوا به فوقَ القصرِ فاضربوا عُنقَه ، ثم أتبعوه جسدَه.
فقالَ مسلمُ بنُ عقيلٍ رحمة اللهِ عليهِ : لو كانَ بيني وبينَكَ قرابةٌ ما
قَتَلْتَني ؛ فقالَ ابنُ زيادٍ : أَينَ هذا الّذي ضَربَ ابنُ عقيلٍ
رَأْسَه بالسّيفِ ؟ فدًعِيَ بكرُ بنُ حُمرانَ الأحمريّ فقالَ له : اصعدْ
فلتكنْ أنتَ الّذي تضربُ عُنقَه.
فصُعِدَ به وهو يُكبِّرُ ويَستغفرُ
اللهَ ويُصلِّي على رسولِه ويقولُ : اللّهمّ احكمْ بينَنا وبينَ قومٍ
غَرُّونا وكَذَبونا وخَذَلونا. وأَشرفوا به على موضع الحَذّائيينَ اليومَ ،
فضُرِبتْ عُنقُه وأتبعَ (جسدُه رَأُسَه).

وقامَ محمّدُ بنُ الأشعثِ إِلى عُبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ فكلّمهَ في هانئ
بنِ عُروةَ فقالَ : إِنّكَ قد عرفتَ منزلةَ هانئ في المصرِ وبيته في
العشيرةِ، وقد علمَ قومُه أنِّي أنا وصاحِبَيَّ سُقناه إِليكَ ،
فأَنْشُدُكَ اللّهَ لمّا وهبتَه لي ، فإِنَي أكرهُ عداوةَ المصرِ وأَهلِه.
فوعدَه أَن يفعلَ ، ثمّ بدا له فأَمرَ بهانئ في الحالِ فقالَ : أَخرِجوه إِلى السُّوقِ فاضربوا عنقَه.
فأخرِجَ هانئ حتّى انتهِيَ به إِلى مكانٍ منَ السُّوقِ كانَ يُباعً فيه
الغنمُ ، وهو مكتوفٌ ، فجعلَ يقولُ : وامَذْحِجَاه ! ولا مَذْحِجَ لي
اليومَ ، يا مَذْحِجَاه ! يا مَذْحِجَاه ! وأَينَ مَذْحِجُ ؟! فلمّا رأَى
أنّ أحداً لا ينصرُه جَذبَ يدَه فنزعَها مِنَ الكِتافِ ، ثمّ قالَ : أَما
من عصاً أَوسِكِّين أوحجرٍ أَو عظمٍ يُحاجِزُ به رجلٌ عن نفسِه ؟ وَوثبوا
إِليه فشدُّوه وَثاقاً، ثمّ قيلَ له امدُدْ عُنقَكَ ، فقالَ : ما أَنا بها
سخيٌّ ، وما أَنا بمُعِينكم على نفسي ، فضربَه مولىً لعُبيدِاللّهِ - تركيٌ
يقُالُ له رُشَيد - بالسّيفِ فلم يَصنعْ شيئاً، فقالَ هانئ : إِلى اللهِ
المعَادُ، اللّهمّ إِلى رحمتِكَ ورضوانِكَ ؟ ثمّ ضربَه أُخرى فقتلَه.

وفي مسلمِ بنِ عقيلٍ وهانئ بن عروة ـ رحمة الله عليهما ـ يقولُ عبدُاللهّ بن الزّبيرِ الأَسديّ :


إِنْ كُنْتِ لا تَدْرِيْنَ مَا اْلمَوْتُ فَانْظُري إِلى هانئ فِيْ السُّوْقِ وَابْنِ عَقِيْلْ

إِلــى بــــَطَلٍ قَدْ هَشَّمَ السَّيــْفُ وَجْهَه وآخَــرَ يَهْوِيْ مِنْ طَمَارِ قَتِيْلُ

أصـابـَهما أَمـْــرُ الأَمِيــرِ فأَصْبَـحَــا أحَــادِيْثَ مــَنْ يـَسْرِيْ بكُلِّ سَبِيْلِ

تَرَيْ جَسَدَاً قَدْ غَيَّرَاْلموتُ وَجْههُ ونَضــْحَ دَم قــَد ْسَـالً كُـلَّ مَسِيْلِ

فـَتَىً هـُوَ أَحْيــَا مــــِنْ فَتــَاةٍ حَــــيِيّة وأقْطَـع مِـنْ ذًيْ شـَفْرَتَيْنِ صَقِيْلٍِ

أيَرْكَبُ أسْمَاءُ الْهَمَالِيْجَ امِنَا وَقــَــدْ طَلـَبَـتْهُ مَذحــِجٌ بِذُحـُــوْلًِ

تُطِيْفُ حَوَالَيْهِ مُرَادٌ وكلهُمْ عَلَى رِقْبَةٍ مِنْ سَائِلٍ وَمَسُوْلِ

فَإِنْ أَنـْتُمُ لَمْ تَثْـأَرُوْا بِأَخِيْكُمُ فَكُوْنُــوْا بَغَــايَــا أُرْضـِيـَتْ بِقَلِيْل



ولمّا قُتِلَ مسلمٌ وهانئ - رحمةُ اللّهِ عليهما- بعثَ عُبيدُاللّهِ بن
زيادٍ برؤوسِهما معَ هَانئ بنِ أبي حيَّةَ الوادعيّ والزُّبير ِبنِ
الأرْوَحِ التّميميّ إِلى يزيد ابن معاويةَ، وأمرَ كاتبَه أن يكتبَ إلى
يزيدَ بما كانَ من أمرِ مسلمٍ وهانئ ، فكتبَ الكاتبُ - وهو عمرو بنُ نافعٍ -
فأطالَ ، وكانَ أوّلَ من أطالَ في الكَتْب ، فلمّا نظرَ فيه عُبيدُاللهِ
تكرّهَه وقالَ : ما هذا التّطويلُ ؟ وما هذه الفُصَول ؟ اكتبْ :
أَمّا بعدُ: فالحمدُ للّهِ الّذي أَخذَ لأميرِ المؤمنينَ بحقِّه ، وكفاه
مُؤْنةَ عدوه ؛ أخبرُ أميرَ المؤمنينَ أنّ مسلمَ بنَ عقيلٍ لجأ إِلى دارِ
هانئ بنِ عروةَ المراديِّ ، وأَنّي جعلتْ عليهما العيونَ ودسستُ إِليهما
الرِّجالَ وكِدتُهما حتّى استخرجتُهما ، وأمكنَ اللّهُ منهما ، فقدّمتُهما
وضربتُ أعناقَهما ، وقد بعثتُ إِليكَ برؤوسِهما معَ هانئ بنِ أَبي حَيَّةَ
والزُّبيربنِ الأَرْوَحِ التّميمِّي ، وهما من أهلِ السّمعِ والطّاعةِ
والنّصيحةِ، فليسأَلْهما أَميرُ المؤمنينَ عمّا أحب من أمرِهما ، فإِنّ
عندَهما علماً وصدقاً وورعاً ، والسّلامُ.

فكتبَ إِليه يزيدُ :
أمّا بعدُ: فإِنّكَ لم تَعْدُ أن كنتَ كما أُحبُّ ، عملتَ عملَ الحازمِ ،
وصُلْتَ صَوْلةَ الشُّجاعِ الرّابطِ الجَأْشِ ، وقد أغنيتَ وكفيت

وصدّقْت ظنِّي بك ورأْيي فيك، وقد دعوتُ رسولَيْكَ فسألتهما وناجيتهما،
فوجدتُهما في رأْيهما وفضلِهما كما ذكرتَ ، فاستوصِ بهما خيراً، وِانّه قد
بلغني أنّ حسيناً قد توجّهَ إِلى العراقِ فضَعِ المنَاظِرَ والمسَالحَ
واحترِسْ ، واحبسْ على الظِّنّةِ واقتُلْ على التُّهمةِ ، واكتُبْ إِليَّ
فيما يَحدثُ من خبرٍ إن شاءَ اللّهُ.
وكانَ خروجُ مسلمِ بنِ عقيلٍ - رحمةُ اللّهِ عليهما- بالكوفةِ يومَ
الثُّلاثاءِ لثمانٍ مضينَ من ذي الحجّةِ سنةَ سِتِّينَ ، وقَتْلُه يَومَ
الأربعاءِ لتسعٍ خلونَ منه يومَ عرفة؛ وكانَ توجُّهُ الحسينِ عليه السّلامُ
من مكّةَ إِلى العراقِ في يومِ خروجِ مسلمٍ بالكوفةِ- وهو يومُ التّرويةِ-
بعدَ مُقامِه بمكّةَ بقيّةَ شعبانَ وشهرَ رمضانَ وشوّالاً وذا القعدةِ
وثمانيَ ليالٍ خلونَ من ذي الحجّةِ سنةَ سِتِّينَ ، وكانَ قدِ اجتمعَ
إِليهِ مدّةَ مُقامِه بمكّةَ نفرٌ من أهلِ الحجازِ ونفرٌ من أَهلِ البصرة،
انضافوا إِلى أهلِ بيتهِ ومَواليه.

ولمّا أرادَ الحسينُ عليه السّلامُ التّوجُّهَ إلى العراقِ ، طافَ بالبيتِ
وسعى بينَ الصّفا والمروةِ، وأحلَّ من إِحرامِه وجعلَها عُمرةً، لأنّه لم
يتمكّنْ من تمامِ الحجِّ مخافةَ أن يُقبَضَ عليه بمكّةَ فيُنفَذَ إِلى يزيد
بن معاويةَ، فخرجَ عليه السّلامُ مُبادِراً بأهلِه وولدِه ومنِ انضمَّ
إِليه من شيعتِه ، ولم يكنْ خبرُ مسلمٍ قد بلغَه لخروجِه يومَ خروجِه على
ما ذكرْنا ه.

فروِيَ عن الفَرَزْدَقِ الشّاعرِ أنّه قالَ : حَجَجْتُ بأُمِّي في سنةِ
سِتِّينَ ، فبينا أنا أسوقُ بعيرَها حينَ دخلتُ الحرمَ إِذ لقيتُ الحسينَ
بنَ عليٍّ عليهما السّلامُ خارجاً من مكّةَ معَه أسيافُه وتِراسُه فقلتُ :
لمن هذا القِطارُ؟ فقيلَ : للحسينِ بنِ عليٍّ ، فأتيتُه فسلّمتُ عليه
وقلتُ له : أعطاكَ اللّهُ سُؤْلَكَ وأمَلَكَ فيما تُحبُّ ، بأبي أنتَ
وأُمِّي يا ابنَ رسولِ اللّهِ ، ما أعجلَكَ عنِ الحجِّ ؟ فقالَ : « لو لم
أعْجَلْ لأخِذْتُ» ثمّ قالَ لي : «مَنْ أنتَ ؟» قلتُ : امرؤٌ منَ العربِ ،
فلا واللّهِ ما فتّشَني عن أكثرَ من ذلكَ ، ثمّ قالَ لي : «أخبِرْني عنِ
النّاسِ خلفَكَ» فقلتُ : الخبيرَسألْتَ ، قلوبُ النّاسِ معَكَ وأسيافُهم
عليكَ ، والقضاءُ ينزلُ منَ السّماءِ، واللهُّ يفعلُ ما يشاءُ، فقالَ :
«صدقتَ ، للّهِ الأمرُ، وكلَّ يومٍ ربنُّا هو في شَأْنٍ ، (إِنْ نزلَ
القضاءُ) بما نُحِبُ فنحمدُ اللّهَ على نعمائه ، وهو المُستعان على أداءِ
الشُّكرِ،وان حالَ القضاءُ دونَ الرّجاءِ، فلم يُبْعِدْ مَنْ كانَ الحقُّ
نيّتَه والتّقوى سريرتَه» فقلتُ له : أجل ، بلّغَكَ اللّهُ ما تُحبُّ
وكفاكَ ما تحذرُ، وسألتُه
عن أشياء من نذورٍ ومناسكَ فأخبرَني بها، وحرّكَ راحلتَه وقالَ : «السّلامُ
عليكَ» ثمّ افترقْن.

وكانَ الحسينُ بنُ عليٍّ عليهما السّلامُ لمّا خرجَ من مكّةَ اعترضَه يحيى
بن سعيدِ بن العاص ، ومعَه جماعةٌ أرسلهم عمرُو بنُ سعيدٍ إِليه ، فقالوا
له : انصرف ، إِلى أَينَ تذهبُ ، فأبى عليهم ومضى وتدافعَ الفريقانِ
واضطربوا بالسِّياطِ ، وامتنعَ الحسينُ وأصحابُه منهم امتناعاً قوي.

وسارَ حتّى أتى التّنعيمَ فلقيَ عِيراً قد أقبلتْ منَ اليمن ، فاستأْجرَ
من أهلِها جمالاً لرحلِه وأصحابِه ، وقالَ لأصحابِها : «من احبَّ أن ينطلقَ
معَنا إِلى العَراقِ وفيناه كراءه وأحسنّا صحبتَه ، ومن أحبَّ أن يفارقَنا
في بعضِ الطرّيقِ أعطيناه كراءً على قدرِ ما قطعَ منَ الطّريقِ» فمضى معَه
قومٌ وامتنعَ اخرون.

وألَحقَه عبدُاللهّ بن جعفرٍ رضيَ اللهّ عنه بابنيه عونٍ ومحمّدٍ ، وكتبَ
على أيديهما إِليه كتاباً يقولُ فيه :
أمّا بعدُ : فإِنِّي أسألكَ بالله لمّا انصرفتَ حينَ تنظرُ في كتابي ،
فإِنِّي مشفقُ عليكَ منَ الوجهِ الّذي توجّهتَ له أن يكونَ فيه هلاكُكَ
واستئصال أهلِ بيتِكَ ، إِن هلكتَ اليومَ طفئَ نورُ الأرضِ ، فإِنّكَ
عَلَمُ المهتدينَ ورجاءُ المؤمنينَ ، فلا تعجلْ بالمسير فإِنِّي في أثر
كتابي ، والسّلامُ.

وصارَ عبدُاللهّ بن جعفرِ إِلى عمرو بن سعيدٍ فسألَه أن يكتبَ للحسينِ
أماناً ويُمنيه ليرجعَ عن وجهه ، فكتبَ إليه عمرو بنُ سعيدٍ كتاباً
يُمنِّيه فيه الصِّلةَ ويؤُمِنهُ على نفسِه ، وأنفذَه معَ أخيه يحيى بن
سعيدٍ ، فلحقَه يحيى وعبدُاللّه ابن جعفرٍ بعدَ نفوذِ ابنيه ودفعا إِليه
الكتابَ وجهدا به في الرُّجوعِ فقالَ : «إِنِّي رأيت رسولَ اللّهِ صلّى
اللهُ عليهِ وآلهِ في المنام ، وأمرَني بما انا ماضٍ له » فقالا له : فما
تلكَ الرُّؤيا؟ قالَ :»ما حدّثتُ أحداً بها، ولا أنا مُحدِّثٌ أحداً حتّى
ألقى ربِّي جلّ وعزَّ« فلما أيسَ منه عبدُاللهّ بن جعفرٍ أمرَ ابنيه عوناً
ومحمّداً بلزومهِ والمسيرِمعَه والجهادِ دونَه ، ورجعَ معَ يحيى بن سعيدٍ
إِلى مكّةَ.

وتوجّهَ الحسينُ عليهِ السّلامُ نحوَ العراقِ مُغِذّاً لا يلوي على شيءٍ حتى نزلَ ذاتَ عِرق.

ولمّا بلغَ عبيدَاللهّ بن زيادٍ إِقبالُ الحسينِ عليهِ السّلامُ من مكّةَ
إِلى الكوفةِ، بعثَ الحُصينَ بنَ نُمَيرٍ صاحبَ شُرَطِهِ حتّى نزلَ
القادسيّةَ ، ونظمَ الخيلَ بينَ القادسيّةِ إِلى خفّانَ ، وما بينَ
القادسيّةِ إِلى القُطْقُطانَةِ.
وقالَ النّاسُ : هذا الحسينُ يُريدُ العراقَ.

ولمّا بلغَ الحسين عليهِ السّلامُ الحاجرَ من بطنِ الرُّمةِ، بعثَ قيسَ
بنَ مُسْهرٍ الصّيداويّ ، - ويُقالُ : بل بعثَ أخاه منَ الرّضاعةِ
عبدَاللّه بن يَقْطُر- إِلى أهلِ الكوفةِ، ولم يكن عليهِ السّلامُ عَلِمَ
بخبرِمسلمِ ابنِ عقيلٍ رحمةُ اللهِّ عليهما وكتبَ معه إِليهم :


«بسمَ اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
منَ الحسينِ بنِ عليٍّ إِلى إِخوانِه منَ المؤمنينَ والمسلمينَ ، سلامٌ
عليكم ، فإِنِّي أحمدُ إِليكم اللّهَ الّذي لا إِلهَ إلأ هو.
أمّابعدُ: فإِنّ كتابَ مسلمِ بنِ عقيلِ جاءَني يُخبرُ فيه بحسنِ رأيِكم
واجتماعِ مَلَئكم على نصرِنا والطّلب بحقِّنا، فسألتُ اللّهَ أن يُحسنَ لنا
الصّنيعَ ، وأن يُثيبَكم على ذلكً أعظمَ الأجرِ، وقد شخصتُ إِليكم من
مكّةَ يومَ الثُلائاءِ لثمانٍ مضينَ من ذي الحجّةِ يومَ التّرويةِ، فإِذا
قدمَ عليكم رسولي فانكمِشوا في أمرِكم وجِدُّوا ، فإِنِّي قادمٌ عليكم في
أيّامي هذه ، والسّلامُ عليكم ورحمةُ اللّهِ».


وكانَ مسلمٌ كتبَ إِليه قبلَ أن يُقتلَ بسبعٍ وعشرينَ ليلةً، وكتبَ إِليه
أهلُ الكوفةِ : انّ لكَ هاهنا مائةَ ألفِ سيف فلا تتأخّرْ. فأقبلَ قيسُ بنُ
مُسْهرٍ إلى الكوفةِ بكتابِ الحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى إِذا انتهى إِلى
القادسيّةِ أخذَه الحُصينُ بن نُمَيرٍ فأنفَذَه إِلى عُبيدِاللّهِ بنِ
زيادٍ ، فقالَ له عُبيدُاللّهِ : اصعدْ فسُبَّ الكذّابَ الحسينَ بنَ عليٍّ ؛
فصعدَ قيسٌ فحمدَ اللهَّ وأثنى عليه ثمّ قالَ : أيُّها النّاسُ ، إِنّ هذا
الحسينَ بنَ عليٍّ خيرُ خلقِ اللّهِ ابنُ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللّهِ وأنا
رسولهُ إليكم فاجيبوه ، ثمّ لعنَ عُبيدَاللهّ بن زيادٍ وأباه ، واستغفرَ
لعليّ بنِ أبي طالبِ عليه السّلامُ وصلّى عليه.
فأمرَ به عُبيدُاللهِ أن يُرمى به من فوقِ القصرِ، فرَمَوا به فتقطّعَ.


ورُوِيَ : أنّه وقعَ إِلى الأرضِ مكتوفاً فتكسّرَتْ عظامُه وبقيَ به رمقٌ ،
فجاءَ رجلٌ يُقالُ له عبد الملك بن عُميرٍ اللخميّ فذبحَه ، فقيلَ له في
ذلكَ وعِيِبَ عليه ، فقالَ : أردتُ أن أُريحَه.

ثمّ أقبلَ الحسينُ عليهِ السّلامُ منَ الحاجرِ يسيرنحوَالكوفةِ فانتهى
إِلى ماءٍ من مياهِ العرب ، فإِذا عليه عبدُاللّه بن مُطيعٍ العَدويّ وهو
نازلٌ به ، فلمّا راى الحسينَ عليهِ السّلام قامَ إِليه فقالَ : بأبي أنتَ
وأُمِّي - يا ابنَ رسولِ
اللّهِ - ما أقدَمَكَ ؟ واحتملَه وأنزلَه ، فقالَ له الحسينُ عليهِ
السّلامُ : «كانَ من موتِ معاويةَ ما قد بلغَكَ ، فكتبَ إِليَّ أهلُ
العراقِ يدعونَني إِلى أنفسِهم» فقالَ له عبدُاللّهِ بنِ مُطيعٍ : أُذكرُكَ
اللهَّ يا بنَ رسولِ اللهِّ وحرمةَ الأسلامِ أن تُنتَهَكَ ، أنْشُدُكَ
اللهَّ في حرمةِ قُريشٍ ، أنشُدُكَ اللّهَ في حرمةِ العرب ، فواللّهِ لئن
طلبتَ ما في أيدي بني أُمّيةَ لَيَقْتُلُنَّكَ ، ولئن قتلوكَ لا يهابوَا
بعدَكَ أحَداً أبداً، واللّهِ إِنّها لحُرمةُ الأسلام تُنْتَهَك ، وحرمةُ
قريشٍ وحرمةُ العرب ، فلا تَفعلْ ، ولا تأْتِ الكوَفَة، ولا تُعرِّضْ
نفسَكَ لبني أُميّةَ.
فأبى اَلحسينُ عليهِ السّلامُ إلاّ أن يَمضيَ.

وكانَ عُبيدُاللّه بن زيادٍ أمرَ فأُخِذَ ما بينَ واقِصَةَ إِلى طريقِ
الشّام إِلى طريقِ البصرةِ ، فلا يَدَعونَ أحداً يَلِجُ ولا أحداً يخرجُ ،
وأقبلَ الحسينُ عليهِ السّلامُ لا يَشعرُ بشيءٍ حتّى لقيَ الأعرابَ ،
فسألهَم فقالوا: لا واللّهِ ما ندري ، غيرإنّا لا نستطيعُ أن نَلِجَ (أو
نَخرج) .
فسارَ تِلقاءَ وجهِه عليهِ السّلامُ.

وحدَّثَ جماعةٌ من فَزارةَ ومن بَجيلة قالوا : كُنّا معَ زُهَيرِ بنِ
القَيْنِ البَجَليِّ حينَ أقبلنْا من مكّةَ، فكنّا نُسايرُ الحسينَ عليهِ
السّلام فلم يكَنْ شيءٌ أبغضَ إِلينا من أن نُنَازلَه في منزلٍ ، فإِذا
سارَ الحسينُ عليهِ السّلامُ ونزلَ منزلاً لم نجدْ بُدّاً من أن نُنازلَه،
فنزلَ الحسينُ في جانبِ ونزلْنا في جانبٍ ، فبينا نحن جُلوس نتغذّى من
طعامٍ لنا إِذْ أقبلَ رَسولُ الحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى سلّمَ ثمّ دخلَ ،
فقالَ : يا
زُهيرَبنَ القَيْنِ إِنَّ أبا عبدِاللّهِ الحسينَ بعثَني إِليكَ لتأْتِيَه.
فطرحَ كلُّ إِنسانٍ منّا ما في يدِه حتّى كأنّ على رُؤُوسنا الطّيرَ،
فقالتْ له امرأتهُ : سبحانَ اللّهِ ، أيبعثُ إِليكَ ابنُ رسولِ اللّهِ ثمّ
لا تأْتيه ، لو أتيتَه فسمعتَ من كلامِه ، ثمّ انصرفتَ.
فأتاه زُهيرُ
بنُ القينِ ، فما لبثَ أن جاءَ مُستبشراً قد أشرقَ وجهُه ، فأمرَبفسطاطِه
وثقله ورحلِه ومتاعِه فقُوِّضَ وحُمِلَ إِلى الحسينِ عليهِ السلامُ ، ثمّ
قالَ لامرأَتِه : أنتِ طالقٌ ، الحقي بأهلِكَ ، فإنِّي لا أُحبُّ أن
يًصيبَكِ بسببي ألاٌ خيرٌ ، ثمّ قالَ لأصحابه : من أحَبَّ منكم أن يتبعَني ،
وإلاّ فهو آخرُ العهدِ، إِنيِّ سأُحدِّثُكم حديثا ً: إِنّا غَزَوْنا البحر
، ففتحَ اللّهُ علينا وأصبْنا غنائمَ ، فقالَ لنا سلمان الفارسيُّ رضيَ
اللهُّ عنه : أفرِحْتُم بما فتحَ اللهُ عليكم ، وأصبْتم منَ الغنائم ؟
فقلنا : نعم ، فقال : إِذا أدركْتُم شباب آلِ محمّدٍ فكونوا أشدَّ فرحاً
بقتالِكم معَهم ممّا أصبتُمُ اليومَ منَ الغنائم.
فامّا أنا فأستودعُكمُ اللّه.
قالوا : ثمّ واللهِّ ما زالَ في القومِ معَ الحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى قُتِلَ رحمةُ اللّهِ عليه.

وروى عبدُاللهّ بن سليمانَ والمُنْذِرُ بنُ المُشْمَعِلِّ الأسَدِيّانِ
قالا: لمّا قَضَيْنا حجَّنا لم تكنْ لنا همةٌ إلاّ اللحاق بالحسينِ عليهِ
السّلامُ في الطّريقِ ، لننظرَ ما يكونُ من أمرِه ، فأقبلْنا تُرْقِلُ بنا

نِياقنا مُسرِعَيْنِ حتّى لحقْنا بِزَرُوْدَ، فلمّادنونا منه إِذا نحن
برجلٍ من أهلِ الكوفةِ قد عدلَ عنِ الطّريقِ حينَ رأى الحسينَ عليهِ
السّلام ، فوقفَ الحسينُ كأنّه يُريدُه ثمّ تركه ومضى ، ومضينا نحوَه ،
فقالَ أحدُنا لصاحبه : اذهب بنا إِلى هذا لنسألَه فإِنّ عندَه خبرَ
الكوفةِ، فمضينا حتَّى انتهينا إِليه فقلنا: السّلامُ عليكَ ، فقالَ :
وعليكم السّلامُ ، قلنا : ممّنِ الرّجلُ ؟ قالَ : أسَدِيٌّ ، قلنا : ونحن
أسَدِيّانِ ، فمن أنتَ ؟ قالَ : أنا بكرُ بنُ فُلانٍ ، وانتسبْنا له ثمّ
قلنا له : أخبِرْنا عنِ النّاسِ وراءَك ؛ قالَ : نعم ، لم أخرجْ منَ
الكوفةِ حتّى قُتِلَ مسلمُ بنُ عقيلٍ وهانئُ بنُ عُروةَ، ورأَيتُهما
يُجَرّانِ بأرجلِهما في السُّوقِ.

فأقبلْنا حتّى لحقْنا الحسينَ صلوات اللهِّ عليه فسايرْناه حتّى نزلَ
الثَّعْلَبيَّةَ مُمْسِياً، فجئناه حينَ نزلَ فسلّمْنا عليه فردَّ علينا
السّلامَ ، فقلناَ له : رحمَكَ اللّه ، إِنّ عندَنا خبراً إِن شئتَ
حدّثْناكَ علانيةً، وِانْ شئتَ سِرّاً ؛ فنظرَ إِلينا ِ والى أصحابِه ثمّ
قالَ : «ما دونَ هؤلاءِ سترٌ» فقلنا له : رأيتَ الرّاكبَ الّذي استقبلتَه
عشيَّ أمسِ ؟ قالَ : «نعم ، وقد أردتُ مسألَتَه» فقلنا : قد واللّهِ
استبرأْنا لكَ خبرَه ، وكفيناكَ مسألَتَه ، وهو امِرؤٌ منّا ذو رأْي وصدقٍ
وعقلٍ ، وِانّه حدّثَنا أنّه لم يخرجْ منَ الكوفةِ حتّى قُتِلَ مسلمٌ
وهانئ، ورَآهما يُجَرّانِ في السُّوقِ بأرجلِهما : فقالَ : «إِنّا للهِّ
وِانّا اليه راجعونَ ، رحمةُ اللهِّ عليهما»
يكرِّر ذلكَ مِراراً، فقلنا له : نَنْشُدُكَ اللّهَ في نفسِكَ وأهلِ بيتِكَ
إلأ انصرفتَ من مكانِكَ هذا، فإِنّه ليسَ لكَ بالكوفةِ ناصرٌ ولا شيعةٌ ،
بل نَتخوّفُ أن يكونوا عليكَ.
فنظرَإِلى بني عقيلٍ فقالَ : «ماتَرَوْنَ
؟ فقد قتِلَ مسلمٌ» فقالوا : واللهِّ لا نَرجعُ حتّى نُصيبَ ثأْرَنا أَو
نذوقَ ما ذاقَ ، فأقبلَ علينا الحسينُ عليهِ السّلامُ وقالَ : «لا خيرَ في
العيشِ بعدَ هؤلاءِ» فعلمْنا أنّه قد عزمَ رأْيَه على المسيرِ، فقلنا له :
خارَ اللّهُ لكَ ، فقالَ : «رحمَكُما اللّهُ».
فقالَ له أصحابُه : إِنّكَ واللّهِ ما أَنتَ مثل مسلمِ ابن عقيل ، ولو قدمتَ الكوفةَ لكانَ النّاسُ إِليكَ أسرعَ.
فسكتَ ثمّ انتظرَ حتّى إِذا كانَ السّحرُ قالَ لفتيانِه وغلمانِه :
«اكْثِرُوا منَ الماءِ» فاسْتَقَوْا وأكْثَرُوا ثمّ ارتحلوا، فسارَ حتّى
انتهى إِلى زُبالةَ فأَتاه خبرُ عبدِاللّهِ بنِ يَقْطُرَ ، فأخرجَ إِلى
النّاسِ كتاباً فقرأه عليهم :

«بسم اللّهِ الرّحمنِ الرّحميمِ
أمّا بعدُ: فإِنّه قد أتانا خبرٌ فظيعٌ قَتْلُ مسلمِ بنِ عقيلٍ ، وهانيِ
بنِ عُروةَ، وعبدِاللّهِ بنِ يَقْطُرَ، وقد خَذَلَنا شيعتُنا، فمن أحبَّ
منكم الانصرافَ فلينصرفْ غيرَحَرِجٍ ، ليسَ عليه ذمامُ»
فتفرّقَ النّاسُ عنه وأخذوا يميناً وشمالاً، حتّى بقيَ في أصحابِه
الّذينَ جاؤوا معَه منَ المدينةِ ، ونفرٍ يسيرٍ ممّنِ انضَوَوْا إِليه.
ِوانّما فعلَ ذلكَ لأنّه عليه السلام علمَ أنّ الأعرابَ الّذينَ اتّبعوه
إِنّما اتّبعوه وهم يظنُّون أنّه يأتي بلداً قدِ استقامتْ له طاعةُ أهلهِ ،
فكرهَ أن يسيروا معَه إلاّ وهم يعلمونَ على ما يقدمونَ.

فلمّا كانَ السّحرُ أمرَ أصحابَه فاستقَوْا ماءً وأكثروا، ثمّ سارَ حتّى
مرَّ ببطنِ العَقَبةِ (فنزلَ عليها)، فلقيَه شيخٌ من بني عِكْرِمةَ يقالُ
له عمرُو بن لوذانَ ، فسألهَ : أينَ تريدُ؟ فقالَ له الحسينُ عليهِ
السّلامُ : «الكوفةَ» فقال الشّيخُ : أنشدُك اللّهَ لمّا انصرفتَ ،
فواللهِّ ما تقدمُ إلاٌ على الأسنّةِ وحدِّ السُّيوفِ ، وِانّ هؤلاءِ
الّذينَ بعثوا إِليكَ لو كانوا كَفَوْكَ مؤونةَ القتالِ ووطّؤوا لكَ
الأَشياءَ فقدمتَ عليهم كانَ ذلكَ رأْياً، فأمّا على هذه الحالِ الّتي
تَذْكُرُ فإنّي لا أرى لكَ أن تفعلَ.
فقالَ له : «يا عبدَاللّهِ ، ليس
يخفى عليَّ الرأْيُ ، ولكنَّ اللّهَ تعالى لا يُغلَبُ على أمرِه ، ثمّ قالَ
عليهِ السّلامُ : واللّهِ لا يَدَعُوني حتّى يستخرجوا هذه العلقةَ من جوفي
، فإِذا فعلوا سلّطَ اللهُّ عليهم من يُذلُّهم حتّى يكونوا أذلَّ فِرَقِ
الأممَ».
ثمّ سارَعليهِ السّلام من بطنِ العَقَبةِ حتّى نزلَ شَراف ، فلمّا كانَ في
السّحرِ أمرَ فتيانَه فاسْتَقَوْا منَ الماءِ فأكْثَروا، ثمّ سارَ منها
حتّى
انتصفَ النّهارُ، فبينا هو يسيرُ إِذ كبّرَ رجلٌ من أصحابه فقالَ له
الحسينُ عليهِ السّلامُ : «اللهُّ أكبرُ، لِمَ كَبَّرت ؟» قالَ : رأيت
النّخلَ ، فقالَ له جماعةٌ من أصحابه : واللهِّ إِنّ هذا المكانَ ما رأينا
به نخلةً قطّ ، فقالَ الحسينُ عليهِ السَّلامُ : «فما تَرَوْنَه ؟» قالوا :
نراه واللّهِ آذانَ الخيلِ ، قالَ : «أنا واللهِ أرى ذلكَ» ثمّ قالَ
عليهِ السلامُ : «ما لنا ملجأُ نلجأ إِليه فنجعله في ظهورِنا، ونستقبل
القومَ بوجهٍ واحدٍ ؟» فقلنا: بلى ، هذا ذو حُسمى إِلى جنبِكَ ، تميلُ
إِليه عن يسارِكَ ، فإِن سبقتَ إِليه فهوكما تُريدُ.

فأخذَ إِليه ذاتَ اليسارِ ومِلْنا معَه ، فما كانَ بأسرعَ من أن طلعتْ
علينا (هوادي الخيل) فتبيّنّاها وعدلْنا ، فلمّا رأوْنا عدلْنا عن الطريقِ
عدلوا إِلينا كأنّ أسنّتَهم اليعاسيبُ ، وكأنّ راياتِهم أجنحةُ الطّيرِ،
فاستبقْنا إِلى ذي حسمى فسبقْناهم إِليه ، وأمرَ الحسينُ عليهِ السّلامُ
بابنيتهِ فضربَتْ.


وجاءَ القومُ زُهاءَ ألفِ فارسٍ معَ الحُرِّبن يزيدَ التّميميّ حتّى وقفَ
هو وخيلُه مُقابلَ الحسينِ عليهِ السّلامُ في حَرًّ الظّهيرةِ، والحسينُ
وأصحابُه معتمُّونَ متقلِّدوأسيافِهم ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ
لفتيانِه : «اسقوا القومَ وأرْوُوْهُم منَ الماءِ ، ورَشِّفُوا الخيلَ
ترشيفاً» ففعلوا وأقبلوا يملؤون القِصاعَ والطّساسَ منَ الماء ثمّ
يُدنونَها منَ الفَرَسِ ، فإِذا عبَّ فيها ثلاثاً أوأربعاً أَو خمساً
عُزِلَتْ عنه وسَقَوا آخرَ، حتّى سَقَوْها كلَّها.
فقالَ عليُّ بنُ الطعَّانِ المُحاربي : كنتُ معَ الحُرِّ يومئذٍ فجئتُ في
اخرِ من جاءَ من أصحابِه ، فلمّا رأى الحسينُ عليهِ السّلامُ ما بي وبفرسي
منَ العطشِ قالَ : «أنَخِ الراويةَ» والراويةُ عندي إلسِّقاءُ، ثمّ قالَ :
«يا ابنَ أخي أنِخِ الجملَ» فأنَخْتُه فقالَ : «اشربْ» فجعلتُ كلَّما شربتُ
سالَ الماءُ منَ السِّقاءِ، فقالَ الحسين عليه السّلامُ : «اخنِثِ
السِّقاءَ» أي اعطفْه ، فلم أدْرِ كيفَ أفعل ، فقامَ فخنثَه فشربتُ وسقيتُ
فرسي.

وكانَ مجيءُ الحُرِّ بن يزيدَ منَ القادسيّةِ، وكَانَ عُبيدُاللّه بن
زيادٍ بعثَ الحُصينَ بنَ نمُيرٍ وأًمرَه أن ينزلَ القادسيّة، وتقدّمَ
الحُرُّ بينَ يديه في ألفِ فارسٍ يستقبلُ بهم حسيناً، فلم يَزَلِ الحُرًّ
مُواقِفاً للحسينِ عليهِ السّلامُ حتّى حضرتْ صلاةُ الظُّهرِ، وأمرَ
الحسينُ الحجّاجَ بنَ مسرورٍ أن يُؤَذِّنَ، فلمّا حضرتِ الأقامةُ خرجَ
الحسينُ عليهِ السّلامُ
في إِزارٍ ورداءٍ ونعلينِ ، فحمدَ اللّهَ وأثنى عليه ثمّ قالَ : «أيًّها
النّاسُ ، إِنِّي لم آتِكم حتّى أتَتْني كتبُكم وقدمتْ عليَ رسلُكم : أنِ
اقدمْ علينا فإِنّه ليس لنا إِمام ، لعلَّ اللهَّ أن يجمعَنا بكَ على الهدى
والحقِّ ؛ فإِن كنتم على ذلكَ فقد جئتُكم فاعطوني ما أطمئنًّ إِليه من
عهودِكم ومواثيقِكم ، وِان لم تفعلوا وكنتم لمَقدمي كارهينَ انصرفتُ عنكم
إِلى المكانِ الّذي جئتُ منه إِليكم» فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحدٌ منهم
بكلمةٍ.
فقالَ للمؤذِّنِ : «أقِمْ» فأقامَ الصّلاةَ فقالَ للحُرِّ: «أتُريدُ أن
تُصليَ بأصحابكَ ؟» قالَ : لا، بل تُصلِّي أنتَ ونُصلِّي بصلاتِكَ.

فصلّى بهم الحسينَُ بن عليٍّ عليهما السّلامُ ثمّ دخلَ فاجتمعِ إِليه
أصحابُه وانصرفَ الحُرُّ إِلى مكانِه الّذي كانَ فيه ، فدخلَ خيمةَ قد
ضُرِبَتْ له واجتمعَ إِليه جماعةٌ من أصحابِه ، وعادَ الباقونَ إِلى صفِّهم
الّذي كانوا فيه فأعادوه ، ثمّ أخذَ كلُّ رجلٍ منهم بعنانِ دابّتهِ وجلسَ
في ظلِّه.

فلمّا كانَ وقتُ العصرِ أمرَ الحسينُ بنُ عليِّ عليهِ السّلامُ أن
يتهيّؤوا للرّحيلِ ففعلوا ، ثمّ أمرَ مناديَه فنادى بالعصرِ وَأقامَ ،
فاستقامَ الحسينُ عليه السّلام فصلّى بالقومِ ثمّ سلّمَ وانصرفَ إِليهم
بوجهه ، فحمدَ اللّهَ وأَثنى عليه ثمّ قالَ :
«أمّا بعدُ : أيُّها النّاس فإِنّكم إِن تتّقوا اللّهَ وتعرفوا الحقَّ
لأهلهِ يكنْ أرضى للهِ عنكم ، ونحن أهلُ بيتِ محمّدٍ ، وأولى بولايةِ هذا
الأمرِعليكم من هؤلاءِ المدَعينَ ما ليسَ لهم ، والسّائرينَ فيكم بالجورِ
والعدوانِ ؟
واِن أبيتم إلاٌ كراهيةً لنا والجهلَ بحقِّنا، فكانَ رأْيُكم الان غيرَ ما
أتتني به كتبُكم وقَدِمَتْ به عليَّ رسلُكم ، انصرفتُ عنكم».
فقالَ له الحُرُّ: أنا واللّهِ ما أدري ما هذه الكتب والرُّسل الّتي
تَذْكرُ، فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ لبعضِ أصحابِه : «يا عُقْبَةَ بنَ
سِمْعانَ ، أخرِج الخُرْجَينِ اللَذينِ فيهما كتبُهم إِليَ» فأخرجَ
خُرْجَينِ مملوءَينِ صحفاً فنُثرتْ بينَ يديه ، فقالَ له الحُرُ: إِنّا
لسنا من هؤلاءِ الّذينَ كتبوا إِليكَ ، وقد أُمِرْنا إِذا نحن لقيناكَ ،
ألاّ نفارِقَكَ حتّى نُقْدِمَكَ الكوفةَ على عُبيدِاللّهِ.
فقالَ له
الحسينُ عليه السّلامُ : «الموتُ أدنى إِليكَ من ذلكَ» ثمّ قالَ لأصحابه :
«قوموا فاركبوا» فركبوا وانتظرَ حتّى رَكِبَ نساؤهم ، فقالَ لأَصَحابه :
«انصرفوا» فلمّا ذهبوا لينصرفوا حالَ القومُ بينَهم وبينَ الانصرافِ ،َ
فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ للحُرِّ: «ثكلتْكَ أُمُّك ، ما ترُيدُ؟»
فقالَ له الحرًّ: أما لو غيرُك منَ العرب يقولهُا لي وهو على مثلِ الحالِ
الّتي أنتَ عليها، ما تركتُ ذكرَأُمِّه بالثُّكَلِ كائناً من كانَ ، ولكنْ
واللّهِ ما لي إِلى ذكرِ أُمِّكَ من سبيلٍ إلاّ بأحسنِ ما يقْدَرُ عليه ؟
فقالَ له الحسين عليه السّلامُ : «فما تُريدُ؟» قالَ : أُريدُ أن أنطلقَ
بكَ إِلى الأميرعُبيدِاللهِّ بنِ زيادٍ ؛ قالَ : «إِذاً واللهِّ لا أتبعكَ»
قالَ : إِذاً واللّهِ لا أدعكَ.
فترادَّا القول ثلاثَ مرّاتٍ.

فلمّا كثر الكلامُ بينهَما قالَ له الحُرُّ: إِنِّي لم اُؤمَرْ بقتالِكَ ،
إِنّما أُمِرْتُ ألاّ أُفارِقَكَ حتّى أُقدمَكَ الكوفَة، فإِذ أبيتَ فخذْ
طريقاً لا يُدخلُكَ الكوفةَ ولا يَردُّكَ إِلى المدينةِ، تكونَ بيني
وبينَكَ نصفاً، حتّى أكتبَ إِلى الأميرِ وتكتَب الى يزيدَ أو إِلى
عُبيدِاللّهِ فلعلّ اللهَّ إِلى ذلكَ أن يأْتيَ بأمرٍ يرزقُني فيه العافيةَ
من أَن أُبتلى
بشئ من امرك ، فخذ هاهنا ، فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وسار الحسين
عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره وهو يقول له : يا حسين اني اذكرك
الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ، فقال له الحسين عليه السلام :
( أفبالموت تخوفني ؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ؟ وسأقول كما قال أخو
الأوس لابن عمه ، وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله فخوفه ابن
عمه وقال :أين تذهب ؟ فانك مقتول ؛ فقال :


سأمضي فما بالموت عار على الفتى إذا مــا نوى حـقـا وجــاهد مسلما

وآسى الرجــال الصـــالحين بنـفــسه وفارق مثبورا وباعد مجرما

فإن عشـت لــم انـدم وان مت لم ألم كفى بك ذلا ان تعيش وترغما »




فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه ، فكان يسير بأصحابه ناحية ، والحسين عليه
السلام في ناحية أخرى ، حتى انتهوا الى عذيب الهجانات
ثم مضى الحسين عليه السلام حتى انتهى الى قصر بني مقاتل فنزل به ، فاذا هو
بفسطاط مضروب فقال : ( لمن هذا ؟) فقيل : لعبيد الله بن الحر الجعفي ،
فقال :( ادعوه الي) فلما أتاه الرسول قال له : هذا الحسين بن علي يدعوك ،
فقال عبيد الله : انا لله وانا اليه راجعون ، والله ماخرجت من الكوفة الا
كراهية أن يدخلها الحسين وانا بها ، والله ما اريد ان اراه ولا يراني ؛
فأتاه الرسول فأخبره فقام الحسين عليه
السّلامُ فجاءَ حتّى دخلَ عليه فسلّمَ وجلسَ ، ثمّ دعاه إِلى الخروج معَه ،
فأعادَ عليه عُبيدُ اللهِّ بن الحرِّ تلكَ المقالةَ واستقاله ممّا دعاه
إِليه ، فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : « فإِن لم تنصرْنا فاتّقِ
اللّهَ أن تكونَ ممّن يُقاتلُنا؛ واللّهِ لا يسمعُ واعيتَناأحدٌ ثمّ لا
ينصرُنا إلاّ هلكَ » فقالَ : أمّا هذا فلا يكونُ أبداً إِن شاءَ اللّهُ ؛
ثمّ قامَ الحسينُ عليهِ السّلامُ من عندِه حتّى دخلَ رحله.

ولمّا كانَ في اخرِ ألليلِ أمرَ فتيانَه بالاستقاءِ منَ الماءِ، ثمّ أمرَ
بالرّحيلِ ، فارتحلَ من قصرِ بني مُقاتلٍ ، فقالَ عُقبةُ بنُ سمعانَ :
سِرْنا معَه ساعةً فخفقَ وهوعلى ظهرِفرسِه خفقةً ثمّ انتبهَ ، وهو يقولُ :
«إِنّا للّهِ وإنّا إِليه راجعونَ ، والحمدُ للّهِ ربِّ العالمينَ » ففعلَ
ذلكَ مرّتينِ أو ثلاثاً، فأقبلَ إِليه ابنُه علي بنُ الحسينِ عليهما
السّلامُ على فرسٍ فقالَ : ممَّ حمدتَ الله واسترجعتَ ؟ فقاَل : «يا
بُنَيَّ ، إِنِّي خفقتُ خَفقةً فعَنَّ لي فارسٌ علىَ فرسٍ وهو يقولُ :
القومُ يسيرونَ ، والمنايا تسيرُ إِليهمِ ، فعلمتُ أَنّها أَنفسُنا
نُعِيَتْ إِلينا» فقالَ له : يا أبَتِ لا أراكَ اللهُّ سوءاً، ألسنا على
الحقِّ ؟ قالَ : «بلى، والّذي إِليه مرجعُ العبادِ » قال : فإِنّنا إِذاً
لا نبالي أَن نموتَ مُحِقِّينَ ؛ فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «جزاكَ
اللّه من ولدٍ خيرَ ما جزى وَلداً عن والدِه ».

يزالوا يتياسرونَ كذاك حتّى انتهَوا إِلى نينَوى - المكانِ الّذي نزلَ به
الحسينُ عليهِ السّلامُ - فإِذا راكبٌ على نجيبِ له عليه السِّلاحُ
متنكِّبٌ قوساً مقبلٌ منَ الكوفةِ، فوَقَفُوا جميعاً ينتظَرونَه فلمّا
انتهى إِليهم سلّمَ على الحرِّ وأصحابِه ولم يسلِّمْ على الحسينِ وأصحابِه ،
ودفعَ إِلى الحرِّ كتاباً من عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ فإِذا فيه :
أمّا بعدُ فَجَعْجِعْ بالحسينِ حينَ يَبلُغُكَ كتابي ويقدمُ عليكَ رسولي ،
ولا تُنْزِلْه إِلاّ بالعراءِ في غيرِ حصنٍ وعلى غيرِماءٍ ، فقد أمرتُ
رسولي أن يَلزَمَك ولا يفُارِقَكَ حتّى يأْتيني بإِنفاذِكَ أمري ،
والسّلامُ.

فلمّا قرأ الكتابَ قالَ لهم الحرُ: هذا كتابُ الأَميرِ عُبيدِاللهِّ
يأْمرُني أَن أُجَعْجِعَ بكم في المكانِ الّذي يأْتي كتابُه ، وهذا رسولُه
وقد أمرَه أَلاّ يفارقَني حتّى أُنَفّذَ أَمْرَه.









}
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جبل الحب
،،* المدير *،،
،،* المدير *،،


عًدَدٌ ـآلمُسًآهمـآإت عًدَدٌ ـآلمُسًآهمـآإت : 8869
السٌّمعَة السٌّمعَة : 618
تًآرٍيِـِخٌ ـآلتًسَجٍيِلٌ تًآرٍيِـِخٌ ـآلتًسَجٍيِلٌ : 13/06/2009
العمر العمر : 20

مُساهمةموضوع: رد: قصة استشهاد الامام الحسين (ع) واقعة الطف    السبت أغسطس 20, 2011 11:37 pm

يتبع


فنظرَ يزيد بنُ المهاجرِ الكنانيّ - وكانَ معَ الحسينِ عليهِ السّلامُ -
إلى رسولِ ابن زيادٍ فعرفَه فقالَ له يزيدُ : ثَكلَتْكَ أُمُّكَ ، ماذا
جئتَ فيه ؟ قالَ : أَطعتُ إِمامي ووفيتُ ببيعتي ، فقالَ له ابنُ المهاجرِ:
بل عصيتَ ربَّكَ وأطعتَ إِمامَكَ في هلاكِ نفسِكَ وكسبتَ العارَ والنّارَ،
وبئسَ الإمامُ إِمامكَ ، قالَ اللّهُ عزَّ من قائلٍ
( وَجَعَلنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُوْنَ إِلىَ النًارِ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ لاَ يُنْصرُوْنَ ) فإِمامُكَ منهم.
وأخذَهم الحرُّ بالنُّزولِ في ذلكَ المكانِ على غيرماءٍ ولا قريةٍ ، فقالَ
له الحسينُ عليهِ السّلامُ : « دَعْنا- ويحك - ننزل في هذه القريةِ أوهذه -
يعني نينَوَى والغاضِريّةَ - أو هذه - يعني شِفْنَةَ - » قالَ : لا
واللّهِ ما أستطيعُ ذلكَ ، هذا رجل قد بُعِثَ اليّ عيناً عليّ، فقالَ له
زُهَيرُ بنُ القَيْنِ : إِنِّي واللّهِ ما أراه يكونُ بعدَ هذا الّذي
تَرَوْنَ إِلا أَشدَّ ممّا تَرَوْنَ ، يا ابنَ رسولِ اللّهِ ، إِنّ قتالَ
هؤلاءِ السّاعةَ أهونُ علينا من قتالِ من يأْتينا بعدَهم ، فلعَمْري
لَيَاْتيَنا بعدَهم ما لا قِبلَ لنا به ، فقالَ الحسين عليهِ السّلامُ :
«ما كنتُ لأَبدأهم بالقتالِ » ثمّ نزل ؛ وذلكَ يومَ الخميسِ وهو اليوم
الثّاني منَ المحرّمِ سنةَ إِحدى وستَينَ.

فلمّا كانَ منَ الغدِ قدمَ عليهم عُمَرُبنُ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ منَ
الكوفةِ في أربعةِ آلافِ فارسٍ ، فنزلَ بنينوى وبعثَ إِلى الحسينِ عليهِ
السّلامُ (عُروةَ بنَ قَيْسٍ ) الأحمسيّ فقالَ له : ائتِهِ فسَلْه ما الّذي
جاءَ بكَ ؟ وماذا تريدُ؟
وكانَ عُروةُ ممّن كتبَ إلى الحسينِ عليهِ السّلامُ فاستحيا منه أن
ياْتيَه ، فعرضَ ذلكَ على الرؤَساءِ الّذينَ كاتبوه ، فكلّهم
أبى ذلكَ وكرِهَه ، فقامَ إِليه كَثيرُبنُ عبدِاللهِّ الشَّعْبِيّ وكانَ
فارساً شُجاعاً لا يَرُدُّ وجهَه لشيءٌ فقالَ : أنا أذهبُ إِليه ، وواللّهِ
لئن شئتَ لأفْتكنَّ به ؛ فقالَ له عُمَرُ: ما أُريدُ أن تَفتكَ به ، ولكنِ
ائتِه فسَلْه ما الّذي جاءَ بك ؟
فاقبلَ كثيرٌ إِليه ، فلمّا رآه أبو ثمامةَ الصّائديُّ قالَ للحسينِ عليهِ
السّلامُ : أصلَحَكَ اللهّ يا أَبا عبدِاللهِّ ، قد جاءَكَ شرُّ أهلِ
الأرضِ ، وأجرؤهم على دم ، وأفتكُهم.
وقامَ إِليه فقالَ له : ضَعْ
سيفَكَ ، قالَ : لا ولا كرامة، إِنّما أنا رسولٌ ، فإِن سمعتم منِّي
بلّغتُكم ما أرْسِلْتُ به إِليكم ، وان أبَيتم انصرفتُ عنكم ، قالَ :
فإِنِّي آخذُ بقائِمِ سيفِكَ ، ثمّ تكلّم بحاجتِكَ ، قالَ : لا واللهِّ لا
تمسَّه ، فقالَ له : أخبرْني بما جئتَ به وأَنا أُبلِّغهُ عنكَ ، ولا
أدعُكَ تدنو منه فإِنّكَ فاجرٌ ؛ فاستَبّا وانصرفَ إِلى عمر بن سعدٍ
فأخبرَه الخبرَ.
فدعا عمرُقُرّةَ بنَ قيسٍ الحنظليّ فقالَ له : ويحَكَ يا قُرّةُ، القَ
حسيناً فسَلْه ما جاءَ به وماذا يريد ؟ فأتاه قُرّةُ فلمّا رآه الحسينُ
مقبلاً قالَ : «أتعرفونَ هذا؟» فقالَ له حبيبُ بنُ مُظاهِرِ: نعم ، هذا
رجلٌ من حنظلةِ تميم ، وهو ابنُ أُختِنا، وقد كنتُ أعرَفه بحسنِ الرٌأي ،
وما كنتُ أراه يشهَدُ هذا المشهدَ. فجاءَ حتّى سلَّمَ على الحسينِ عليهِ
السّلامُ وأبلغَه رسالةَ عمرِ بنِ سعدٍ إِليه ، فقالَ له الحسينُ : «كَتبَ
إِليَّ أهلُ مِصْرِكم هذا أن اقدم ، فأمّا إِذ كرهتموني فأنا أنصرفُ عنكم »
ثمّ قالَ حبيبُ بنُ مُظاهِر: ويحَكَ يا قُرّةً أينَ ترجعُ ؟! إلى القوم
الظّالمينَ ؟! انْصُرْ هذا الرّجلَ الّذي بآبائه أيّدَكَ اللّهُ بالكرامةِ ،
فقالَ له قُرّةُ : أَرجعُ إِلى صاحبي
بجواب رسالتِه ، وأرى رأيي.
قالَ : فانصرفَ إِلى عمر بن سعدٍ فأَخبرَه
الخبرَ؛ فَقالَ عمرُ: أرجوأن يعافيَني اللهُ من حربه وقتالِه ؛ وكتبَ إِلى
عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ :
بسم اللّهِ الرّحمنِ الرّحيمَ ، أمّا بعدُ : فإِنِّي حينَ نزلتُ بالحسينِ
بعثتُ إِليه رسلي ، فسألتُه عمّا اقْدَمَه ، وماذا يطلبُ ؟ فقالَ : كتبَ
إِليَّ أَهْلُ هذه البلادِ، واتتْني رُسُلُهم يسألونَني القدومَ ففعلتُ ،
فأمّا إِذ كرهوني وبدا لهم غيرُما أتَتْني به رُسُلُهم ، فأَنا منصرفٌ
عنهم.
قالَ حسّانُ بنُ قائدٍ العَبْسيّ : وكنتُ عندَ عُبيدِاللهِّ حينَ أَتاه هذا الكتابُ ، فلمّا قرأه قالَ :


ألآنَ إِذْ عَلِقَتْ مَخَالبنَا بِهِ يَرْجُو النَّجَاةَ وَلاَتَ حِيْنَ مَنَاصِ

وكتبَ إِلى عمربن سعدٍ :
أمّا بعدُ: فقد بلغَني كتابُكَ وفهمتُ ما ذكرتَ ، فاعرِضْ على الحسينِ أَن
يُبايعَ ليزيدَ هو وجميعُ أصحابه ، فإِذا فعلَ هو ذلكَ رأينا رأيَنا ،
والسّلامُ.

فلمّا وردَ الجوابُ على عمر بن سعدٍ قالَ : قد خشيتُ ألاّ يَقبلَ ابنُ زيادٍ العافيةَ.

ووردَ كتابُ ابنِ زيادٍ في الأثرِ إلى عمر بن سعدٍ : أن حُلْ بينَ الحسينِ
وأصحابه وبينَ الماءِ فلا يَذوقوا منه قطرةً، كما صُنعَ بالتّقيِّ
الزّكيِّ عُثمان بن عفَّان.
فبعثَ عمرُبنُ سعدٍ في الوقتِ عَمْرَو بنَ
الحجّاجِ في خمسمائةِ فارس ، فنزلوا على الشّريعةِ وحالوا بينَ الحسينِ
وأصحابه وبينَ الماءِ أن يَستَقُوا منه قطرةً، وذلكَ قبلَ قتل الحسين
بثلاثةِ
أيّامٍ ، ونادى عبدُاللّه بن الحُصين الأزديّ - وكانَ عِدادُه في بَجيلةً -
بأعلى صوته: يا حسينُ ، ألا تنظرُإِلى الماءِ كأنّه كَبدُ السّماءِ،
واللّهِ لا تَذُوقونَ منه قطرةً واحدةً حتّى تموتوا عطشاً؛ فقالَ الحسينُ
عليه السّلامُ : «اللّهمَّ اقْتًلْهُ عَطَشاً ولا تَغْفِرْله أبداً».
قالَ حميدُ بنُ مسلمٍ : واللّهِ لَعُدْتُه بعدَ ذلكَ في مرضِه ، فواللّهِ
الّذي لا إِلهَ غيرُه ، لقد رأيتُه يَشرَبُ الماءَ حتّى يَبغَرَ ثمّ يقيئه
،ويصيحُ : العطشَ العطش ، ثمّ يعودُ فيشرَبُ الماءَ حتّى يَبْغَرَثم يقيئه
ويتلَظّى عَطَشاً، فما زالَ ذلكَ دأبه حتّى (لَفَظَ نفسَه).
ولمّا رأى الحسينُ نزولَ العساكرِ مع عمرِ بن سعدٍ بنينوى ومدَدَهم
لقتالِه أنفذَ إِلى عمر بن سعدٍ : «انِّي أُريدُ أن ألقاكَ » فاجتمعا ليلاً
فتناجيا طويلاً، ثمّ رجعَ عمرُ بنُ سعدٍ إِلى مكانِه وكتبَ إِلى
عُبيَدِاللهِّ بن زيادٍ :
أمّا بعدُ: فإِنّ اللّهَ قد أطْفأ النّائرةَ وجَمَعَ الكلمةَ وأَصَلحَ
أَمرَ الأمّةِ، هذا حسينٌ قد أَعطاني أن يرجِعَ إِلى المكانِ الّذي أتى منه
أو أن يسيرَ إِلى ثَغرٍ منَ الثُّغورِ فَيكونَ رجلاًَ منَ المسلمينَ ، له
ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أَن يأَتيَ أميرَ المؤمنينَ يزيدَ فيضعَ يدَه
في يدِه ، فيرى فيما بينَه وبينَه رأيَه ، وفي هذا[لكم] رضىً وللأمّةِ
صلاحٌ.

فلمّا قرأ عُبيدُاللّهِ الكتابَ قالَ : هذا كتابُ ناصحٍ مشفق على قومِه.
فقامَ إِليه شِمْرُ بنُ ذي الجَوْشنِ فقالَ : أتَقبلُ هذا منه وقد نزلَ
بأرًضِكَ والى جنبكَ ؟ واللّهِ لئن رحلَ من بلادِكَ ولم يَضَعْ يدَه في
يدِكَ ، لَيكونَنَّ أولى بالقَوّةِ ولتكونَنَّ أولى بالضَّعفِ والعجز، فلا
تُعْطِه هذه المنزلةَ فإِنّها منَ الوَهْنِ ، ولكن لِينَزِلْ على حُكمِكَ
هو وأصحابُه ، فان عاقبْتَ فأنت (أَولى بالعقوبةِ) وإن عفَوْتَ كانَ ذلكَ
لك.

قالَ له ابنُ زيادٍ : نِعْمَ ما رأيتَ ، الرأيُ رأيُك ، اخْرجُ، بهذا
الكتاب إِلى عُمَر بن سعدٍ فلْيَعْرِضْ على الحسينِ وأصحابه النًّزولَ على
حُكْمِي ، فإِن فَعَلوا فليَبْعَثْ بهم إِليّ سِلماً، وأن هم أًبَوْا
فليقاتلْهم ، فإِن فَعَلَ فاسمعْ له وأطِعْ ، واِن أبى أن يقاتِلَهم فأنتً
أَميرُ الجيشِ ، واضرِبْ عُنقَه وابعثْ إِليَّ برأسِه.

وكتبَ إِلى عمر بن سعدٍ :انِّي لم أبعثْكَ إِلى الحسينِ لتكفَّ عنه ولا
لتُطاوِلَه ولا لتمنّيَه السّلامةَ والبقاءَ ولا لتَعتَذِرَ له ولا لتكونَ
له عندي شافعاً، انظرْ فإِن نزلَ حسينٌ وأصحابُه على حكمي واستسلموا فابعثْ
بهم إِليَّ سِلْماً، وِان أبوْا فازحَفْ إِليهم حتّى تقتُلَهم وتُمثِّلَ
بهم ، فإِنّهم لذلكَ مستحقُّونَ ، وِان قُتِلَ الحسينُ فأوْطئ الخيلَ صدرَه
وظهرَه ، فإِنّه عاتٍ ظلومٌ ، وليس أَرى أنّ هذا يَضُرُّ بعدَ الموتِ
شيئاً، ولكنْ عليّ قولٌ قد قلتُه : لوقتلتُه لفعلتُ هذا به ، فإِن أنتَ
مضيتَ لأَمرِنا فيه جزَيْناكَ جزاءَ السّامعِ المطيعِ ، وإن أبيتَ فاعتزلْ
عَمَلَنا وجُنْدَنا، وخلِّ
بينَ شمرِ بنِ ذي الجوشنِ وبينَ العسكرِ فإِنّا قد أمرناه بأمرنا،
والسّلام.

فأقبلَ شمرٌ بكتاب عًبيدِاللّهِ إِلى عمربن سعدٍ ، فلمّا قدمَ عليه وقرأَه
قالَ له عمرُ: ما لَكَ ويْلَكَ ؟! لا قَرَّبَ اللّهُ دارَكَ ، قَبَّح
اللهُ ما قَدِمْتَ به عليّ ، واللّهِ إِنِّي لاظنُّكَ أنّكَ نهيتَه أن
يَقْبَلَ ما كتبتُ به إِليه ، وأفسدتَ علينا أمْرنَا، قد كنّا رَجَوْنا أن
يصلحَ ، لا يستسلمُ واللّهِ حسينٌ ، إِنَّ نفسَ أبيه لبَيْنَ جنبَيْه.

فقالَ له شمرٌ : أخبِرني ما أَنتَ صانعٌ ، أتمضِي لأَمرِ أميرِكَ وتقاتلُ
عدوٌه ؟ ِوألاّ فخلِّ بيني وبينَ الجندِ والعسكر؛ قالَ : لا، لا واللّهِ
ولاكَرامةَ لكَ ، ولكنْ أنا أتولىّ ذلكَ ، فدونَكَ فكُنْ أنتَ على
الرَّجّالةِ. ونهضَ عمرُبنُ سعدٍ إِلى الحسينِ عشيّةَ الخميسِ لتسعٍ
مضَيْنَ منَ المحرّمِ.

وجاءَ شِمرٌ حتّى وقفَ على أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ فقالَ : أينَ
بَنُو أُختِنا؟ فخرجَ إِليه العبّاسُ وجَعْفَرٌ وعثمانُ بنوعليِّ بنِ أبي
طالب عليه وعليهم السّلامُ فقالوا : ماتريدً؟ فقلَ : أنتم يابني أُختي
امِنونَ ؛ فقالتْ له الفِتْيةُ : لَعَنَكَ اللهّ ولَعَنَ أمانَكَ ،
أتؤمِنُنَا وابنُ رسولِ اللّهِ لا أمانَ له ؟ !
ثمّ نادى عمرُ بنُ سعدٍ : يا خيلَ اللّهِ اركبي وأبشري ، فركِبَ النّاس
ثمّ زحفَ نحوَهمِ بعد العصرِ، وحسينٌ عليهِ السّلامُ جالسٌ أمامَ بيتِه
مُحتب بسيفِه ، إِذ خفقَ برأسِه على ركبتَيْه ، وسمعَتْ أُختُه
الصّيحةَ فدنَتْ من أَخيها فقالت : يا أخي أما تسمعُ الأصواتَ قدِ اقتربتْ ؟
فرفعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ رأسَه فقالَ : «إِنِّي رأيتُ رسولَ اللّهِ
صلّى اللهُّ عليهِ والهِ السّاعةَ في المنام فقالَ لي : إِنّكَ تَرُوحً
إِلينا» فلطمتْ أُختُه وجهَها ونادتْ بالويلِ ، فقَالَ لها : «ليسَ لكِ
الويلُ يا أُخيَّةُ، اسكتي رحمَكِ اللّهُ » وقالَ له العبّاسُ بنُ عليٍّ
رحمةُ اللّهِ عليه : يا أخي أتاكَ القومُ ، فنهضَ ثمّ قالَ : «يا عبّاسُ ،
اركَبْ - بنفسي أنتَ يا أخي - حتّى تَلْقاهم وتقولَ لهم : ما لكم وما بَدا
لكم ؟ وتسألَهم عمّا جاءَ بهم ».
فأتاهم العبّاسُ في نحوٍ من عشرينَ فارساً، منهم زُهَيرُ بن القَيْنِ
وحبيبُ بنُ مظاهِرٍ ، فقالَ لهم العبّاسُ : ما بدا لكم وما تريدونَ ؟
قالوا: جاءَ أًمرُ الأميرِأَن نَعْرضَ عليكم أن تنزلوا على حكمِه أَو
نناجِزَكم ؛ قالَ : فلا تعجلوا حتّىَ أَرجعَ إِلى أبي عبدِاللهِّ فأعرِضَ
عليه ما ذكرتم ، فوقفوا وقالوا: الْقَه فأعْلِمْه ، ثمّ الْقَنا بما يقولُ
لكَ. فانصرفَ العباسُ راجعاً يركضُ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ يخبرُه
الخبرَ، ووقفَ أَصحابُه يخاطِبونَ القومَ ويَعِظُونَهم ويكفّونَهم عن
قتاَلِ الحسينِ.

فجاءَ العبّاسُ إِلى الحسينِ عليه السّلامُ فأخبرَه بما قالَ القومُ ،
فقالَ : «ارجعْ إِليهم فإِنِ استطعتَ أَن تُؤَخِّرَهم إِلى الغُدْوَةِ
وتَدْفَعَهم
عنّا العشيّةَ، لعلّنا نصلِّي لربِّنا الليلةَ وندعوه ونستغفرُه ، فهو
يَعلمُ أَنَي قد أُحبُّ الصّلاةَ له وتلاوةَ كتابِه والدُّعاءَ
والاستغفارَ».

فمضى العبّاسُ إِلى القوم ورجعَ من عندِهم ومعَه رسولٌ من قبَل عمر بن
سعدٍ يقول : إِنّا قد أجَّلناكم إِلى غدٍ ، فإِنِ استسلمتم سرَّحْناكم إلى
أميرِنا عُبيدِاللّهِ بنِ زيادٍ ، وإِن أَبيتم فلسنا تاركيكم ، وانصرفَ.

فجمعَ الحسين عليهِ السّلامُ أَصحابَه عندَ قربِ المساءِ. قالَ عليُّ بنُ
الحسينِ زينُ العابدينَ عليهِ السّلامُ : «فدنوتُ منه لأَسْمَعَ ما يقولُ
لهم ، وأَنا إِذ ذاك مريضٌ ، فسمعتُ أَبي يقولُ لأصحابِه : أُثني على
اللهِّ أَحسنَ الثّناءِ ، وأَحمده على السّرّاءِ والضّرّاءِ ، اللّهمَّ
إِنِّي أحْمَدُكَ على أن أكرمْتَنا بالنُّبُوّةِ وعَلّمتنَا القرآنَ
وفَقَّهْتَنَا في الدِّينِ ، وجعلت لنا أسماعاً وأَبصاراً وأَفئدةً ،
فاجعلْنا منَ الشّاكرينَ.

أَمّا بعدُ : فإِنِّي لا أَعلمُ أَصحاباً أَوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا
أَهلَ بيتٍ أَبرَّ ولا أوصلَ من أَهلِ بيتي فجزاكم اللّهُ عنَي خيراً،
أَلا وإِنَي لأَظنَّ أَنّه اخرُ يومٍ لنا من هؤلاءِ،أَلا وإِنّي قد أَذنت
لكم فانطلِقوا جميعاً في حِلٍّ ليس عليكم منِّي ذِمامٌ ، هذا الليلُ قد
غشِيَكم فاتّخِذوه جَمل.

فقالَ له إِخوتُه وابناؤه وبنوأخيه وابنا عبدِاللهِّ بنِ جعفرٍ : لِمَ نفعلُ ذلكَ ؟! لنبقى بعدَكَ ؟! لا أَرانا اللهُّ ذلكَ أبد.
بدأهم بهذا القولِ العبّاس بنُ عليٍّ رضوانُ اللهِّ عليه واتّبعتْه الجماعةُ عليه فتكلّموا بمثله ونحوِه.

فقالَ الحسينُ عليه السّلامُ : يا بني عقيلٍ ، حَسْبُكم منَ القتلِ بمسلم ، فاذهبوا أنتم فقد اذِنْتُ لكم.
قالوا : سبحانَ اللهِ ، فما يقولُ النّاسُ ؟ ! يقولونَ إِنّا تركْنا
شيخَنا وسيِّدَنا وبني عمومتنا - خيرِ الأعمامِ - ولم نرْمِ معَهم بسهِمٍ ،
ولم نطعنْ معَهم برُمحٍ ، ولم نضْرِبْ معَهم بسيفٍ ، ولا ندري ما صنعوا،لا
واللّهِ ما نفعلُ ذلكَ ، ولكنْ (تَفْدِيكَ أنفسُنا وأموالنُا وأهلونا)،
ونقاتل معَكَ حتّى نَرِدَ موردَكَ ، فقَبحَ الله العيشَ بعدَكَ.

وقامَ إِليه مسلمُ بنُ عَوْسَجةَ فقالَ : أنُخلِّي عنكَ ولمّا
نُعذِرْإِلى اللهِ سبحانَه في أداءِ حقِّكَ ؟! أما واللهِّ حتّى أطعنَ في
صُدورِهم برمحي ، وأضربَهم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي ، ولو لم يكنْ معي
سلاحٌ أُقاتلُهم به لقَذَفْتهم بالحجارةِ، واللهِّ لا نُخلِّيكَ حتّى يعلمَ
اللهُ أنْ قد حَفِظْنا غيبةَ رسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ فيكَ ،
واللّهِ لوعلمتُ أنِّي أُقْتَلُ ثمّ أحيا ثم أُحرقُ ثم أحيا ثم أُذَرَّى،
يُفعَلُ ذلكَ بي سبعينَ مرة ما فارقتُكَ حتّى ألقى حِمامي دونَكَ ، فكيفَ
لا أفعلُ ذلكَ ِوانّما هي قَتْلةٌ واحدةُ ثمّ هي الكَرامةُ الّتي لا
انْقِضاءَ لها أبد.

وقامَ زُهَيرُ بنُ القَيْن البجليّ -رحمةُ اللهِّ عليهِ - فقالَ : واللهِ
لوَددْتُ أنِّي قُتِلْتُ ثمّ نُشِرْتُ ثمّ قُتِلْت حتّى أًقتلَ هكذا ألفَ
مرّةٍ ، وأَنّ الله تعالى يدفعُ بذلكَ القتلَ عن نفسِكَ ، وعن أنفُسِ هؤلاء
الفِتْيانِ من أهل بيتِكَ.


وتكلّمَ جماعةُ أصحابه بكلام يُشبهُ بَعضُه بعضاً في وجهٍ واحدٍ ، فجزاهم الحسينُ عَليهِ السلامُ خيراً وَانصرفَ إلى مضِربه ».

قالَ عليُّ بنُ الحسينِ عليهما السّلامُ : «اِنيّ لَجالسٌ في تلكَ
العشيّةِ الّتي قُتِلَ أبي في صبيحتِها، وعندي عمّتي زينبُ تمرضني ، إِذِ
اعتزلَ أبي في خباءٍ له وعندَه جُويْنٌ مولى أبي ذرٍّ الغفار وهويُعالجُ
سيفَه ويُصلِحُه وأبي يقولُ :



يَادَهـْرُ أُفٍّ لَــكَ مِــنْ خَلِيْلِ كَمْ لكَ بالإشراقِ وَالأصِــــــيْلِ

مـــِنْ صَاحِبٍ أوْ طَالِبِ قَتِيْلِ وَالــدَّهْرُلايَــقْنــَعُ بـالـْبَدِيــْل

وانـَّمَا الأمْرُ إِلــى الــجَلِيْلِ وَكلُّ حــَيٍّ سَـــــالِكٌ سَبِيْلــِيْ




فأعادَها مرّتينِ أو ثلاثاً حتّى فهِمْتُها وعَرفْتُ ما أرادَ، فخنقَتْني
العَبْرةُ فردَدْتُها ولزمتُ السُّكوتَ ، وعلمتُ أنّ البلاءَ قد نزلَ ،
وأمّا عمّتي فإنهّا سَمِعَتْ ماسَمِعْتُ وهيَ امرأةٌ ومن شاْنِ النساءِ
الرّقّةُ والجَرعُ ، فلم تَملِكْ نفسَها أنْ وَثَبَتْ تجرُّثوبَها ِوأنّها
لَحاسرة، حتّى انتهتْ إِليه فقالتْ : واثكْلاه ! ليتَ الموتَ أعدمَني
الحياةَ، اليومَ ماتْتْ أُمِّي فاطمةُ وأبي عليّ وأخي الحسنُ ، يا خليفةَ
الماضِي وثِمالَ الباقي.
فنظرَ إِليها الحسينُ عليهِ السّلام فقالَ لها
: يا أُخيَّةُ لا يذْهِبَنَ حلمَكِ الشّيطانُ ، وتَرَقْرَقَتْ عيناه
بالدُموعِ وقالَ : لو تُرِكَ القَطَا لَنامَ ؛فقالتْ : يا ويلتاه !

أفتُغتصبُ نفسُكَ اغتصاباً؟! فذاكَ أقْرَحُ لِقَلبي وأشدَّ على نفسي.

ثم لطمتْ وجهَها وهَوَتْ إلى جيبِها فشقّتْه وخرتْ مغشيّاً عليها.
فقامَ إِليها الحسينُ عليهِ السّلامُ فصبّ على وجهها الماءَ وقالَ لها: يا
أُختاه ! اتّقي اللهَّ وتعَزَيْ بعزاءِ اللّهِ ، واعْلمي أنّ أهَلَ الأرضِ
يموتونَ وأهلَ السّماءِ لا يَبْقَوْنَ ، وأنَّ كلَّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وجهَ
اللهِّ الّذي خلقَ ألخلقَ بقدرتهِ ، ويبعثُ الخلقَ ويعودونَ ، وهو فردٌ
وحدَه ، أبي خيرٌ منِّي ، وأُمِّي خيرٌ منِّي ، وأخي خيرٌ منِّي ، ولي
ولكلِّ مسلمٍ برسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ والهِ أُسوةٌ.
فعزّاها
بهذا ونحوِه وقالَ لها : يا أُخيّةُ إِنِّي أقسمتُ فأبِرِّي قَسَمي ، لا
تَشُقِّي عليَّ جيبأً ، ولا تَخْمشي عليَّ وجهاً، ولا تَدْعِي عليٌ
بالويلِ والثّبورِ إِذا أنا هلكتُ.
ثمّ جاءَ بها حتّى أجلسَها عنديّ.
ثمّ خرجَ إِلى أصحابه فأمرَهم أَن يُقَرِّبَ بعضُهم بيوتَهم من بعضٍ ، وأن
يُدخِلوا الأطنابَ بعضها في بعضٍ ، وأن يكونوا بينَ البيوتِ ، فيستقبلونَ
القومَ من وجهٍ واحدٍ والبيوتُ من ورائهم وعن أيْمانِهم وعن شمائِلهم قد
حَفّتْ بهم إلاّ الوجهَ الّذي يأْتيهم منه عدوُّهم.

ورجعَ عليهِ السّلامُ إِلى مكانِه فقامَ الليلَ كلَّه يُصلّي ويستغفرُ
ويدعو ويتضرّعُ ، وقامَ أصحابُه كذلكَ يُصَلًّونَ ويدعونَ ويستغفرونَ » .


قالَ الضحّاكُ بنُ عبدِاللهِّ : ومرَّ بنا خيلٌ لابنِ سعدٍ يحرسُنا،
وِانَّ حسيناً لَيقرأ : ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا أنَّمَا
نُمْليْ لَهُمْ خَيْرٌ لانفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْليْ لَهُمْ لِيَزْدَادُوْا
إِثْمَاً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ
الْمُؤْمِنِيْن عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيْزَ الْخَبِيْثَ
مِنَ الطَّيِّب ) فسمعَها من تلكَ الخيلِ رجلٌ يُقالُ له عبداللهّ بن
سُميرٍ ، وكانَ مَضحاكاً وكانَ شجاعاً بطلاًَ فارساً فاتكاً شريفاً فقالَ :
نحن وربِّ الكعبةِ الطّيِّبونَ ، مُيِّزْنا منكم.
فقالَ له بَرِيرُ
بنُ خُضيرٍ : يا فاسقُ أَنتَ يجعلُكَ اللهُّ منَ الطّيِّبينَ ؟! فقالَ له :
من أنتَ ويلَكَ ؟ قال : أنا بَرِيرُ بنُ خُضَيْرِ، فتسابّا.
وأصبحَ الحسيُن بنُ عليّ عليهما السّلامُ فعبّأَ أصحابَه بعدَ صلاةِ
الغداةِ ، وكانَ معَه اثنان وثلاثونَ فارساً واربعونَ راجلاًَ، فجعلَ
زُهيرَ بنَ القينِ في مَيْمَنةِ أصحابِه ، وحبيبَ بنَ مُظاهِرٍ في
مَيْسَرةِ أصحابه ، وأعطى رايتَه العبّاسَ أخاه ، وجعلوا البيوتَ في
ظهورِهم ، وأمرَ بحَطًبِ وقَصَبٍ كانَ من وراءِ البيوتِ أَن يُتركَ في
خَنْدَقٍ كانَ قد حُفِرَ هناكَ وَأن يُحرَقَ بالنّارِ، مخافةَ أن يأتوهم من
ورائهم.

وأصبحَ عمرُ بنُ سعدٍ في ذلكَ اليوم وهو يومُ الجمعةِ وقيلَ يومُ السّبتِ ،
فعبّأ أصحابَه وخرجَ فيمن معَه منً النّاسِ نحوَ الحسينِ عليه السّلامُ
وكانَ على مَيْمَنَتهِ عَمرُو بنُ الحجّاجِ ، وعلى مَيْسَرتَه شِمرُ بنُ ذي
الجوشنِ ، وعلى الخيلِ عُروةُ بنُ قَيْسٍ ، وعلى الرّجّالةِ شَبَثُ بنُ
رِبعيّ ،
واعطى الرّايةَ دُرَيداً مولاه.

فروِيَ عن عَليِّ بنِ الحسينِ زينِ العابدينَ عليهِ السّلامُ أنّه قالَ :
«لمّا صبّحتِ الخيلُ الحسينَ رَفَعَ يديه وقالَ : اللهَم أنتَ ثِقَتي في
كلِّ كَرْبِ ، ورجائي في كلِّ شدّةٍ وأنتَ لي في كلِّ أمر نزلَ بي ثقةٌ
وعُدَّة، كمَ مِنْ هَمٍّ يَضْعُفُ فيه الفؤادُ، وتَقِلُّ فيه الحيلةُ،
ويخذُلُ فيه الصّديقُ ، ويَشمَتُ فيه العدوُّ، أنزلتُه بكَ وشكوتُه إِليكَ
رغبةً منِّي إِليكَ عمَّن سواكَ ، ففرَّجْتَه وكشفْتَه ، وأنتَ وليُّ كلِّ
نعمةٍ ، وصاحبُ كلِّ حسنةٍ ، ومُنتهَى كلِّ رغبةٍ».
قالَ : وأقبلَ القومُ يَجولونَ حولَ بيوتِ الحسينِ عليه السّلامُ فيَروْنَ
الخندقَ في ظهورِهم والنّار تَضْطَرِمُ في الحَطَب والقَصب الّذي كانَ
أُلقِيَ فيه ، فنادى شمرُ بنُ ذي الجوشنِ عليه الَلعنةُ بأعلَى صوته: يا
حسينُ أتعجّلتَ النّارَ قبلَ يوم القيامةِ؟ فقالَ الحسينُ عليهِ السّلامُ :
«مَنْ هذا؟ كأنّه شمرُ بنُ ذي الجَوشنِ » فقالوا له : نعم ، فقالَ له :
«يا ابنَ راعيةِ المِعْزَى، أنتَ أولى بها صلِيّاً».

ورَامَ مسلمُ بنُ عَوسَجَةَ أنِ يرميَه بسهمٍ فمنعَه الحسينُ من ذلكَ ،
فقالَ له : دعْني حتّى أرميَه فإنّ الفاسقَ من عظماءِ الجبّارينَ ، وقد
أمكنَ اللّهُ منه.
فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «لا تَرْمِه ، فإِنِّي أكرهُ أن أبدأهم ».

ثمّ دعا الحسينُ براحلتهِ فركبَها ونادى بأَعلى صوته : «يا أهلَ ألعراقِ »
- وجُلّهم يسمعونَ - فقالَ : «أَيًّها النّاسُ اسمعَوا قَوْلي ولا
تَعجَلوا حتّى أَعِظَكم بما يَحقُّ لكم عليّ وحتّى أعْذِرَ إِليكم ، فإِن
أعطيتموني النّصفَ كنتم بذلكَ أسعدَ ،وان لم تُعْطُوني النّصفَ من أنفسِكم
فأجمعوا رأيَكم ثمّ لا يَكنْ أمرُكم عليكم غُمّةً ثمّ اقضوا إِليَّ ولا
تنظِرونَ ، إِنَّ وَلِيٍّ اللّهُ الّذي نزّلَ الكتابَ وهو يتولّى
الصّالحينَ ».
ثم حَمدَ اللّهَ وأثنى عليه وذَكَرَ اللهَّ بما هو أهلُه
، وصَلّى على النّبيِّ صلّى اللهُّ عليهِ والهِ وعلى ملائكةِ اللّهِ
وأَنبيائه ، فلم يُسْمَعْ متكلِّمٌ قطُّ قبلَه ولا بعدَه أبلغ في منطقٍ منه
، ثمّ قالَ :
«أمّا بعدُ : فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثمّ ارجِعوا إِلى أنفسِكم
وعاتِبوها، فانظروا هل يَصلُح لكم قتلي وانتهاكُ حرمتي ؟ ألست ابنَ بنتِ
نبيِّكم ، وابنَ وصيِّه وابن عمِّه وأَوّل المؤمنينَ المصدِّقِ لرسولِ
اللّهِ بما جاءَ به من عندِ ربِّه ، أَوَليسَ حمزةً سيدُ الشُهداءِ عمِّي ،
أَوَليسَ جعفر الطّيّارُ في الجنّةِ بجناحَيْنِ عَمِّي ، أوَلم يَبْلُغْكم
ما قالَ رسولُ اللهِ لي ولأخي : هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنّةِ؟! فان
صدَّقتموني بما أقولُ وهو الحقُّ ، واللّهِ ما تعمّدْتُ كذِباً منذُ
عَلِمْتُ أنّ اللهَّ يمقُتُ عليه أهلَهُ ، وإِن كذّبتموني فإِنّ فيكم (مَنْ
لو) سأَلتموه عن ذلكَ أخْبَركم ، سَلوُا جابرَ بنَ عبدِاللّهِ الأَنصاريّ
وأبا سعيدٍ الخُدْريّ وسَهْلَ بن سعدٍ الساعديّ وزيدَ بنَ أرقَمَ وأنسَ
بنَ مالكٍ ، يُخْبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالةَ من رسولِ اللهِّ صلى
اللّهُ عليهِ وآلهِ لي
ولأخي ، أمَا في هذا (حاجز لكم) عن سَفْكِ دمي ؟ ! ».

فقالَ له شمرُ بنُ ذي الجوشن : هو يَعْبدُ اللّهَ على حَرْفٍ إِن كانَ
يدري (ما تقولُ ) فقالَ له حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ : واللّهِ إِنِّي لأراكَ
تَعْبُدُ اللّهَ على سبعينَ حرفاً، وأنا أشهدُ أنّكَ صادقٌ ما تدري ما يقول
، قد طبَعَ اللّهُ على قلبِكَ.

ثمّ قالَ لهم الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فإِن كنتم في شكٍّ من هدْا ،
أفتشكّونَ أَنِّي ابن بنتِ نبيِّكمْ ! فواللّهِ ما بينَ المشرقِ والمغرب
ابن بنتِ نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيرِكم ، ويحكم أتَطلبوني بقتيلِ منكم
قَتلتُه ، أومالٍ لكم استهلكتُه ، أو بقِصاصِ جراحةٍ ؟!» فأخَذوا لا
يُكلِّمونَه ، فنادى : «يا شَبَثَ بنَ ربْعيّ ، يا حَجّارَ بنَ أَبجرَ، يا
قيسَ بنَ الأشْعَثِ ، يا يزيدَ بن الحارثِ ، ألم تكتبوا إِليّ أنْ قد
أيْنَعَتِ الثِّمارُ واخضَرَّ الجَنابُ ، ِوانمّا تَقدمُ على جُندٍ لكَ
مُجَنَّدٍ ؟!» فقالَ له قيسُ بنُ الأَشعثِ : ما ندري ما تقولُ ، ولكنِ
انْزِلْ على حُكمِ بني عمِّكَ ، فإِنّهم لن يُرُوْكَ إلا ما تُحِبُّ.
فقالَ له الحسينُ «لا واللهِّ لا أُعطيكم بيدي إعطاءَ الذّليل ، ولا أَفِرُّ فِرارَ العبيدِ».
ثمّ نادى : «يا عبادَ اللهِ ، إِنِّي عُذْتُ بربِّي وربِّكم أن ترجمون ،
أعوذُ بربِّي وربِّكم من كلِّ مُتكبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بيومِ الحسابِ ».

ثمّ إنّه أناخَ راحلتَه وأمرَ عُقبةَ بنَ سَمْعانَ فعقلَها، وأَقبلوا
يزحفونَ نحوَه ، فلمّا رأى الحرُّ بنُ يزيدَ أَنّ القومَ قد صمَمُوا على
قتالِ الحسينِ عليهِ السّلامُ قالَ لعمر بن سعدٍ : أيْ عُمَر، أمُقاتِلٌ
أنتَ هذا الرّجلَ ؟ قالَ : إِيْ واللّهِ قتالاً أيْسَرُه أَن تَسقطَ
الرُّؤوسُ وتَطيحَ الأَيدي ، قالَ : أفما لكم فيما عرضه عليكم رضىً؟ قالَ
عمر: أما لو كانَ الأمرُ إِليَّ لَفعلتُ ، ولكنَّ أميرَكَ قد أبى.

فأقبلَ الحرُّحتّى وقفَ منَ النّاسِ موقفاً، ومعَه رجلٌ من قومِه يُقالُ
له : قُرّةُ بنُ قَيْسٍ ، فقالَ : يا قُرّةُ هل سقيتَ فرسَكَ اليومَ ؟ قالَ
: لا، قالَ : فما تُريدُ أن تَسقِيَه ؟ قالَ قُرّةُ : فظننتُ واللّهِ أنّه
يُريد أَن يَتنحّى فلا يشهدَ القتالَ ، ويكرهُ أن أَراه حينَ يَصنعُ ذلكَ
، فقلتُ له : لم أسقِه وأَنا منطلق فأسقيه ، فاعتزلَ ذلكَ المكان الّذي
كانَ فيه ، فواللّهِ لوأَنّه أطْلَعَني على الّذي يُريدُ لخرجتُ معَه إِلى
الحسينِ بنِ عليٍّ عليه السّلامُ ؛ فأخذَ يَدنو منَ الحسينِ قليلاً قليلاً،
فقالَ له المهاجرُ بنُ أوسٍ : ما تُريدُ يا ابنَ يزيدَ، أتريدُ أن تَحملَ ؟
فلم يُجبْه وأخَذَهُ مثلُ الأفْكَلِ - وهي الرِّعدةُ - فقالَ له المهاجرُ:
إِنّ أمْرَكَ لَمُريبٌ ، واللهِّ ما رأيتُ منكَ في موقفٍ قطُّ مثلَ هذا ،
ولو قيلَ لي : مَنْ أشجعُ أَهلِ الكوفِة ما عَدَوْتُكَ ، فما هذا الّذي أرى
منكَ ؟! فقالَ له الحرُّ: إِنِّي واللّه أُخيِّرُ نفسي بينَ الجنَّةِ
والنّارِ، فواللّهِ لا أختارُ على الجنّةِ شيئاً ولو قُطًّعْتُ وحُرِّقْت.

ثمّ ضربَ فرسَه فلحِقَ بالحسينِ عليهِ السّلامُ فقالَ له : جُعِلْتُ
فِداكَ - يا ابنَ رسولِ اللهِّ - أَنا صاحبُكَ الّذي حبستُكَ عنِ
الرُّجوع ، وسايرْتُكَ في الطَريقِ ، وجَعْجَعْتُ بكَ في هذا المكانِ ، وما
ظننتُ انَّ القومَ يَرُدُّونَ عليكَ ماعَرَضْتَه عليهم ، ولايَبلُغونَ
منكَ هذه المنزلَة، واللهِّ لو علمتُ أنّهم يَنتهونَ بكَ إِلى ما أرى ما
رَكِبْتُ منكَ الّذي رَكِبْتُ ، وِانِّي تائبٌ إِلى اللهِ تعالى ممّا صنعتُ
، فترى لي من ذلكَ توبةً؟ فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلام : «نَعَمْ ،
يتوبُ اللّهُ عليكَ فانزِلْ »
قالَ : فأنا لكَ فارساً خيرٌ منِّي راجلاً، أقُاتِلهُم على فرسي ساعةً،
والى النُّزول ما يَصيرُ اخرُ أمري.
فقالَ له الحسينُ عليهِ السّلامُ : «فاصنعْ - يَرحمَكَ اللهُّ - ما بدا لكَ ».

فاستقدمَ أمامَ الحسينِ عليهِ السّلامُ ثمّ أنشأ رجلٌ من أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ يقولُ :



لَنِعْمََ الْحُرُّ حُرّ بَنِيْ رِيَـاح وَحُر عِنْد َمُخْتَلَفِ الرِّمَاحِ

وَنِعْمَ الْحُرُّ إِذْ نَادَى حُسَينٌ وَجَادَ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الصَّبَاحِ



ثمّ قالَ : يا أهلَ الكوفةِ، لأمِّكم الهَبَلُ والعَبَرُ، أدَعَوْتُم هذا
العبدَ الصّالحَ حتّى إِذا أتاكم أسلمتموه ، وزعمتُم أنّكم قاتلو أنفسِكم
دونَه ثمّ عَدَوْتُم عليه لِتقتلوه ، أمسكتم بنفسِه وأخذتم بكظمِه ،
وأحَطْتم به من كلِّ جانبِ لتِمنعوه التّوجُّهَ في بلادِ اللّهِ العريضةِ،
فصارَ كالأسير في أَيديكم لاَ يَملكُ لِنفسِه نفعاً ولا يَدفعُ عنها
ضَرّاً، وحَلأتمُوه ونساءه وصِبْيتَه وأهله عن ماءِ الفراتِ

الجاري يَشربهُ اليهودُ والنّصارىَ والمجوسُ وتَمرغُ فيه خنازيرُ السوادِ
وكلابُه ، وها هم قد صرعهم العطشُ ، بئسَ ما خلفتم محمّداً في ذرِّيّتهِ ،
لا سقاكم اللّهُ يومَ الظّمأ الأكبرِ. فحملَ عليه رجالٌ يَرمونَ بالنَّبلِ ،
فأَقبلَ حتّى وقفَ أَمام الحسينِ عليهِ السّلام.

ونادى عمرُ بنُ سعدٍ : يا ذُوَيْدُ، أَدْنِ رايتَكَ؛ ‎ فأَدناها ثمّ وضعَ
سهمَه في كَبدِ قوسِه ثمّ رمى وقالَ : اشهدُوا أَنِّي أَوّلُى من رمى، ثمّ
ارتمى النّاسُ وتبارزوا ، فبرزَ يسارٌ مولى زيادِ بنِ أَبي سُفيانَ ، وبرزَ
إِليه عبدُاللّه بن عُميرٍ ، فقالَ له يسارٌ : مَنْ أَنتَّ ؟ فانتسبَ له ،
فقالَ : لستُ أعرفُكَ ، لِيَخْرُجْ إِليَّ زُهَيرَبنُ القَيْنِ أَو حَبيبُ
بن مُظاهِرٍ ، فقالَ له عبدُاللّه بن عُمَيرٍ : يا ابنَ الفاعلةِ، وبكَ
رغبةٌ عن مُبارَزَةِ أحدٍ منَ النّاسِ ؟! ثمّ شدَّ عليه فضربَه بسيفِه حتّى
بَردَ، فإِنّه لَمُشتغلٌ بضربه إِذ شدَّ عليه سالمٌ مولى عُبيدِاللّهِ بنِ
زيادٍ ، فصاحُوا به : قدْ رَهقَكَ العبَدُ، فلم يَشعرْحتّى غشيَه فبدرَه
ضربةً اتّقاها ابنُ عميرٍ بكفِّه اليُسرى فاطارتْ أَصابعَ كفِّه ، ثمّ شدّ
عليه فضربَه حتّى قتله ، وأَقبلَ وقد قتلَهما جميعا ًوهو يرتجزُ ويقولُ :


إِنْ تُنْكِرُوْنيْ فأَنَا ابْنُ كَلْبِ إِنِّي امْرُؤٌ ذُوْ مِرَّةٍ وعَضْب

وَلَسْتُ بالْخَوَّارِ عِنْدَ النَّكْبِ


وحَمَل عمرُو بنُ الحجّاجِ على ميمنةِ أصحاب الحسينِ عليهِ السّلامُ فيمن
كانَ معَه من أَهلِ الكوفةِ، فلمّا دنا من الحسَينِ عليهِ السّلامُ جَثَوْا
له على الرُّكَب وأَشْرَعوا الرِّماحَ نحوَهم ، فلم تُقدِمْ خيلهُم على
الرِّماحِ ، فذهَبتِ الخيلُ لِترجعَ فرشقَهم أَصحابُ الحسينِ عليهِ
السّلامُ بالنَّبلِ فصرَعوا منهم رجالاً وجرَحوا منهم آخرينَ.

وجاء رجل من بني تَميم يُقالُ له : عبدُاللّهِ بن حَوْزةَ، فأَقدمَ على
عسكرِ الحسينِ عليهِ السّلامُ فناداه القومُ : إِلى أَينَ ثكلتْكَ أُمُّكَ
؟! فقالَ : إِنِّي أَقدمُ على ربِّ رحيمٍ وشفيعٍ مُطاعٍ ، فقالَ الحسينُ
عليهِ السّلامُ لأصحابه : «مَنْ هَذا؟» قيلَ : هذا ابنُ حَوْزةَ ، قالَ :
«اللّهمَّ حُزْهُ إِلى النّارِ» فاضطرَبتْ به فرسُه في جَدْوَلٍ فوقعَ
وَتعلّقتْ رِجْله اليُسرى بالرِّكاب وارتفعتِ اليُمنى، فشدَّ عليه مسلمُ
بنُ عَوْسَجَةَ فضربَ رجلَه اليًمنىَ فطارتْ ، وعَدا به فرسُه يَضربُ
برأسِه كلَّ حَجَرٍ وكلَّ شجرٍ حتّى ماتَ وعجّلَ اللّهُ بروحِه إِلى
النّارِ.
ونشبَ القتالُ فقُتِلَ منَ الجميعِ جماعةٌ.
وحمَلَ الحرُّ بنُ يزيدَ على أَصحاب عمربن سعدٍ وهويتَمثّلُ بقولِ عَنترةَ:



مَا زِلْتُ أرْمِيهِمْ بِغُرَّةِ وَجْهِهِ وَلَبَانِه حَتَّى تَسَربَلَ بِالدَّمِ



فبرزَ إِليه رجلٌ من بَلحارث يقالُ له : يزيدُ بنُ سُفيانَ ، فما لبّثه الحرًّ حتّى قتلَه ، وبرزَنافعُ بنُ هِلالٍ وهو يقولُ :




انا ابن هلال البجلي أنَا عَلَى دِيْنِ عَلِي



فبرزَ إِليه مُزاحِمُ بنُ حُرَيْثٍ فقالَ له : أنا على دينِ عُثمانَ ،
فقالَ له نافعٌ : أَنتَ على دينِ شيطانٍ ، وحملَ عليه فقتلَه.
فصاحَ عمرُو بنُ الحجّاجِ بالنّاسِ : يا حمقى ، أَتدرونَ من تقاتلونَ ؟
تقاتلونَ فرُسانَ أهلِ المصرِ، وتقاتلونَ قوماً مُستميتِينَ ، لا يَبرز
إِليهم منكم أحدٌ ، فإِنّهم قليلٌ وقلّما يَبْقَوْن ، واللّهِ لو لم
تَرمُوهم إلاّ بالحجارةِ لَقتلتموهم ؛ فقالَ عمرُ بنُ سعدٍ : صدقتَ ،
الرّأيُ ما رأيت، فأرسِلْ في النّاسِ من يَعزِمُ عليهم ألاّ يُبارِزَ رجلٌ
منكم رجلاً منهم.

ثمّ حملَ عمرُو بنُ الحجّاجِ في أَصحابِه على الحسينِ عليهِ السّلامُ من
نحوِ الفراتِ فاضطربوا ساعةً، فصُرِعَ مسلمُ بن عَوْسَجةَ الأسديّ - رحمةُ
اللهِّ عليه - وانصرفَ عمرٌو وأصحابُه ، وانقطعتِ الغَبَرةُ فوجدوا مُسلماً
صريعاً، فمشى إِليه الحسينُ عليهِ السّلامُ فإِذا به رَمَقٌ ، فقالَ : «
رحمَكَ اللّهُ يا مسلمُ ( مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ
يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوْا تَبْدِيلاً ) » ودنا منه حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ
فقالَ : عزَّ عليَّ مصرعكَ يا مسلمُ ، أبشِرْ بالجنّةِ، فقالَ مسلمٌ قولاً
ضعيفاً: بشّرَكَ اللهُّ بخيرٍ.
فقالَ له حبيبٌ : لولا أنِّي أعلمُ أَنِّي في أثرِكَ من ساعتي هذه ، لأَحببتُ

أن تُوَصِّيَني بكلِّ ما أهمَّكَ.

ثمّ تراجعَ القومُ إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ فحملَ شمرُ بنُ ذي الجوشنِ
لعنَه اللّهُ على أهلِ الميسرةِ فثبتوا له فطاعَنوه ، وحُمِلَ على الحسينِ
وأصحابِه من كلِّ جانبِ ، وقاتلَهم أصحابُ الحسينِ قتالاً شديداً، فأخذتْ
خيلهُم تَحملُ وَانّما هي اثنان وثلاثونَ فارساً، فلا تحملُ على جانبٍ من
خيلِ الكوفةِ إلاّكشفتْه.

فلمّا رأى ذلكَ عروةُ بنُ قيس - وهوعلى خيلِ أهلِ الكوفة - بعثَ إِلى عمر
بن سعدٍ : أما ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العِدّةِ اليسيرةِ، ابعثْ
إِليهم الرِّجالَ والرُّماةَ.
فبعثَ عليهَم بالرُّماة ِ فعُقِرَ بالحرِّ بنِ يزيدَ فرسُه فنزلَ عنه وجعلَ يقولُ :




إِنْ تَعقِرُوْا بِيْ فأنَا ابْنُ الْحُرِّ أشْجَعُ مِنْ ذِيْ لِبَدٍ هِزبْرِ



ويضربهُم بسيفِه وتكاثروا عليه فاشتركَ في قتِله أيّوبُ بنُ مُسَرِّحٍ ورجلٌ آخرٌ من فُرسانِ أهلِ الكوفةِ.

وقاتلَ أصحابُ الحسينِ بنِ عليّ عليهِ السّلامُ القومَ أشدَّ قتالٍ حتّى انتصفَ النّهارُ.
فلمّا رأى الحصينَ بنُ نمَير- وكانَ على الرُّماةِ - صبرَ أصحاب الحسينِ
عليهِ السّلامُ تقدّمَ إِلى أصحابه - وكانوا خمسمائةِ نابلٍ - أن يَرشُقوا
أصحابَ الحسينِ عليهِ السّلاَمً بالنَّبْلِ فرشقوهم ، فلم يَلبثوا أن عقروا
خيولَهم وجرحوا الرِّجالَ ، وأرجلوهم.
واشتدَّ القتالُ

بينَهم ساعةً، وجاءهم شمرُبنُ ذي الجوشن في أصحابه ، فحملَ عليهم زُهَيرُ
بنُ القَيْنِ رحمَه اللّهُ في عشرةِ رجالٍ من أَصحاب الحسينِ فكشفَهم عنِ
البيوتِ ، وعطف عليهم شمرُ بنُ ذي الجَوشنِ فقتلَ منَ القوم وردَّ الباقينَ
إِلى مواضعِهم ؛ وأَنشأَ زُهَيْرُ بن القَيْنِ يقولُ مُخاطِباً للحسينَِ
عليهِ السّلامُ :




الْيَوْمَ نَلْقَى جَدَّكَ النَّبيَّا وَحَسَنَا ًوَاْلمُرْتَضَى عَلِيَّا

وَذَا الْجَنًاحَيْنِ الْفَتَى الْكَميا



وكانَ القتلُ يبينُ في أَصحابِ الحسين عليهِ السّلامُ لِقلّةِ عددِهم ،
ولا يبينُ في أصحاب عمر بن سعدٍ لكثرتِهم ، واشتدَّ القتالُ والْتَحَمَ
وكثُرَ القتلُ والجراحُ في أصَحاب أبي عبدِاللّهِ الحسينِ عليهِ السّلامُ
إِلى أَن زالتِ الشّمسُ ، فصلّى الحسَينُ بأصحابِه صلاةَ الخوفِ.

وتقدّمَ حنظلةُ بنُ سعدٍ الشِّباميّ بينَ يَدَيِ الحسينِ عليهِ السّلامُ
فنادى أهلَ الكوفةِ : يا قوم إِنِّي أَخافُ عليكم مثلَ يوم الأحزاب ، يا
قوم إِنِّي أخافُ عليكم يومَ التّنادِ، يا قوم لا تقتلوا حسيناً
فيُسْحِتكَم اللهُ بعذابٍ وقد خابَ منِ افترى؛ ثمّ تقدّمَ فقاتلَ حتّى
قُتِلَ رحمَه اللهُّ.

وتقدّمَ بعدَه شَوْذَبٌ مولى شاكر فقالَ : السّلامُ عليكَ يا أبا
عبدِاللّهِ ورحمةُ اللّهِ وبركاتُه ، أستودِعُكَ اللّهَ وأسًترعيكَ ؛ ثمّ
قاتلَ حتّى قُتِلَ رحمَه اللّه.



وتقدّمَ عابسُ بنُ [أبي] شَبيبِ الشّاكري فسلّمَ على الحسينِ عليهِ السّلام وودّعَه وقاتلَ حتّى قُتِلَ رحَمَه اللهُ.
ولم يَزَلْ يتقدّم رجلٌ رجلٌ من أصحابه فيُقتَلُ ، حتّى لم يَبْقَ معَ
الحسينِ عليهِ السّلامُ إلاّ أهلُ بيتهِ خاَصّةً. فتقدّمَ ابنُه عليُّ بنُ
الحسينِ عليهِ السّلامُ - وأُمّهُ ليلى بنتُ أبي مرّة بن عروة بن مسعود
الثّقفيّ - وكانَ من أصبحِ النّاسِ وجهاً، وله يومئذٍ بضعَ عشرةَ سنةً،
فشدَّ على النّاسِ وهو يقولَ :





أنَاعَليُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلي نَحْــنُ وَبَيْــتِ اللهِّ أوْلــَى بِالنَّبِي

تَاللهِّ لايَحْكُمُ فِيْنَا ابْنُ الدَّعِيَ أضْرِبُ بِالسَّيْفِ أُحامِيْ عَنْ أبِيْ

ضَرْبَ غلامٍ هَاشِمِيٍّ قُرَشِي



ففعلَ ذلكَ مِراراً وأهلُ الكوفةِ يَتَّقونَ قَتْلَه ، فبَصُرَ به مُرّةُ
بنُ مُنقِذٍ العبديّ فقالَ : عَلَيَّ آثامُ العرب إِن مرَّ بي يَفعلُ مثلَ
ذلكَ إِن لم اُثْكِلْه أباه ؛ فمرَّ يشتدُّ علَى النّاسِ كما مرَّ في
الأوّلِ ، فاعترضَه مُرّةُ بنُ مُنقذٍ فطعنَه فَصُرعَ ، واحتواه القومُ
فقطّعوه بأسيافِهم ، فجاءَ الحسينُ عليهِ السّلامُ حتّى وقفَ عليه فقالَ :
«قتلَ اللهُّ قوماً قتلوكَ يا بُنَيَّ ، ما أجرأهم على الرّحمنِ وعلى
انتهاكِ حرمةِ الرّسولِ ‍‍‍‍!‌» وانهملت عيناه بالدُّموعِ ثمّ قالَ : «على
الدُّنيا بعدَك العفاء»

وخرجتْ زينبُ أخُتُ الحسينِ مُسرِعةً تُنادي : يا أُخيّاه وابنَ أُخيّاه ،
وجاءَتْ حتّى أكبّتْ عليه ، فأخذَ الحسينُ برأْسِها فردَّها إِلى الفسطاطِ ،
وأمرَ فتيانَه فقالَ : «احمِلوا أخاكم» فحملوه حتّى وضعوه بينَ يَدَيِ
الفسطاطِ الّذي كانوا يُقاتلونَ أَمامَه.
ثمّ رمى رجلٌ من أصحاب عمر بن سعدٍ يُقالُ له : عَمرُو بنُ صَبِيْحٍ
عبدَاللّه بن مسلم بنِ عقيلٍ رحمَه اللّهُ بسهمٍ ، فوضعَ عبدُاللّهِ يدَه
على جبهتِه يتّقيه ، فأصابَ السّهمُ كفَّه ونفذَ إِلى جبهتِه فسمّرهَا به
فلم يستطعْ تحريكَها، ثمّ انتحى عليه آخر ُبرمحهِ فطعنَه في قلبه فقتلَه.
وحملَ عبدُاللّه بن قُطبةَ الطّائيّ على عونِ بنِ عبداللهِ بن جعفرِ ابنِ أَبي طالبٍ رضيَ اللّهُ عنه فقتلَه.
وحملَ عامرُبنُ نَهْشَلٍ التّيميّ على محمّدِ بنِ عبدِاللّهِ بنِ جعفرِبنِ أَبي طالبٍ رضيَ اللّهُ عنه فقتلهَ.
وشدَّ عثمانُ بنُ خالدٍ الهَمْدانيّ على عبدِ الرّحمنِ بنِ عقيلِ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللّهُ عنه فقتلهَ.
قالَ حُمَيدَ بنُ مُسْلمٍ : فإنّا لَكذلكَ إِذ خرجَ علينا غلامٌ كأَنَّ
وجهَه شِقَّةُ قمرٍ ، في يدِه سيفٌ وعليه قَميصٌ وإزار ونعلانِ قدِ انقطعَ
شِسْعُ إِحداهما، فقالَ لي عُمَر بنُ سعيدِ بنِ نُفيلٍ الأَزْديّ : واللّهِ
لأشدَّنَّ عليه ، فقلتُ : سبحانَ اللّهِ ، وما تريدُ بذلكَ ؟! دَعْه
يكفيكه هؤلاءِ القومُ الّذينَ ما يُبقونَ على أحدٍ منهم ؛ فقالَ : واللّهِ
لأشدَّنَّ عليه ، فشدَّ عليه فما ولّى حتّى ضربَ رأسَه بالسّيفِ ففلقَه ،
ووقعَ

الغلامُ لوجهِه فقالَ : يا عمّاه ! فجلّى الحسينُ عليهِ السّلامُ كما
يُجلِّي الصّقرُثمّ شدَّ شدّةَ ليثٍ أُغْضِبَ ، فضربَ عُمَرَبنَ سعيدِ بني
نُفيلٍ بالسّيفِ فاتّقاها بالسّاعدِ فأطنَّها من لَدُنِ المِرفقِ ، فصاحَ
صيحة سمعَها أهلُ العسكرِ، ثمّ تنحّى عنه الحسينُ عليهِ السّلامُ.
وحملتْ خيلُ الكوفةِ لتسنقِذَهُ فتوطّأتْه بأرجُلِها حتّى ماتَ.
وانجلتِ الغبرةُ فرأيتُ الحسينَ عليهِ السّلام قائماً على رأْس الغلامِ
وهويَفحصُ برجلِه والحسينُ يَقولُ : «بعْداً لقومٍ قتلوكَ ومَنْ خَصْمُهُم
يومَ القيامةِ فيكَ جدُّكَ» ثمّ قالَ : «عَزَّ- واللّهِ - على عمِّكَ أن
تدعوَه فلا يجيبكَ ، أو يجيبكَ فلا ينفعكَ ، صوتٌ - واللّهِ - كثرَ واتروه
وقلَّ ناصروه» ثمّ حملَه على صدرِه ، فكأنِّي أنظرُ إِلى رِجْلَيِ الغلام
تخطّانِ الأرضَ ، فجاءَ به حتّى ألقاه معَ ابنهِ عليِّ بنِ الحسينَِ
والقتلى من أهلِ بيتهِ ، فسألْتُ عنه فقيلَ لي : هوالقاسمُ ابنُ الحسنِ بنِ
عليِّ بنِ أبي طالبٍ عليهم السّلامُ.
ثمّ جلسَ الحسينُ عليهِ السّلامُ أمامَ الفُسطاطِ فاُتِيَ بابنِه
عبدِاللهِ ابن الحسينِ وهو طفلٌ فأجلسَه في حجرِه ، فرماه رجلٌ من بني أسد
بسهمٍ فذبحَه ، فتلقّى الحسينُ عليهِ السّلامُ دمَه ، فلمّا ملأ كفَّه
صبَّه في الأرضِ ثمّ قالَ : «رَبّ إِن تكنْ حبستَ عنّا النّصرَمنَ
السّماءِ، فاجعلْ ذلكَ لما هوخيرٌ ، وانتقِمْ لنا من هؤلاءِ القوم
الظّالمينَ» ثمّ حملَه حتّى وضعَه معَ قتلى أهلِه.



ورمى عبدُاللهّ بن عُقْبةَ الغَنويّ أبا بكر بن الحسنِ بنِ عليِّ بن أبي طالبٍ عليهم السّلامُ فقتلَه.
فلمّا رأى العبّاسُ بنُ عليٍّ رحمة اللّهِ عليه كثرةَ القتلى في أهلِه
قالَ لإخوته من أُمِّه - وهم عبدُاللهِّ وجعفر وعُثمانُ - يا بَني أُمِّي ،
تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم للهِّ ولرسولهِ ، فإِنّه لا ولدَ لكم.

فتقدّمَ عبدُاللّهِ فقاتلَ قتالاً شديداً، فاختلفَ هو وهانئ بنُ ثُبَيتٍ
الحَضْرميّ ضربتينِ فقتلَه هانئ لعنَه اللّهُ. وتقدّمَ بعدَه جعفرًبنُ
عليٍّ رحمَه اللهُّ فقتلَه أيضاً هانئ. وتعمّدَ خوليُّ بنُ يزيدَ الأصبحيّ
عثمانَ بنَ عليِّ رضيَ اللهُّ عنه وقد قامَ مقامَ إِخوته فرماه بسهمٍ
فصرعَه ، وشدَّ عليه رَجلٌ من بني دارم فاحتزَّ رأسَه.
وحملتِ الجماعة على الحسينِ عليهِ السّلامُ فغلبوه على عسكرِه ، واشتدَّ
به العطشُ ، فركبَ المُسنّاةَ يريدُ الفراتَ وبينَ يديه العبّاسُ أخوه ،
فاعترضتْه خيل ابنِ سعدٍ وفيهم رجلٌ من بني دارم فقالَ لهم : ويلَكم
حُولُوا بينَه وبينَ الفراتِ ولا تمكَنوه منَ الماءِ، فقالَ الحسينُ عليهِ
السّلامُ : «اللّهمّ أظْمِئْه» فغَضِبَ الدّارميُ ورماه بسهمٍ فأثبتَه في
حَنَكهِ ، فانتزعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ السّهمَ وبسطَ يدَه تحتَ حَنَكهِ
فامتلأتْ راحتاه بالدَّم ، فرمى به ثمّ قالَ : «اللّهمَّ إِنِّي أشكو
إِليكَ ما يُفعلُ بابنِ بنتِ نبيِّك» ثمّ رجعَ إِلى مكانهِ وقدِ اشتدَّ به
العطشُ. وأحاطَ القومُ بالعبّاسِ فاقتطعوه عنه ، فجعلَ يُقاتلُهم وحدَه
حتّى قُتِلَ

- رضوانُ اللّهِ عليه - وكانَ المتولِّي لقتلِه زيد بن وَرْقاءَ الحنفيّ
وحَكِيم بن الطُّفَيلِ السِّنْبِسيّ بعدَ أن أُثخِنَ بالجراحِ فلم يستطعْ
حراكاً.
ولمّا رجعَ الحسينُ عليه السّلامُ منَ المُسنّاةِ إِلى فسطاطِه تقدّمَ
إِليه شمرُبنُ ذي الجوشنِ في جماعةٍ من أصحابه فاحاطَ به ، فأسرعَ منهم
رجلٌ يُقالُ له مالكُ بنُ النّسرِ الكِنديّ ، فشَتمَ الحسينَ وضربَه على
رأسِه بالسّيف ، وكانَ عليه قلنسوةٌ فقطعَها حتّى وصلَ إِلى رأْسه فأدماه ،
فامتلأتَ القلنسوةُ دماً، فقالَ له الحسينُ : «لا أكلتَ بيَمينِكَ ولا
شربتَ بها، وحشرَكَ اللّهُ معَ الظّالمينَ» ثمّ ألقى القلنسوةَ ودعا بخرقةٍ
فشدَّ بها رأسَه واستدعى قلنسوةً أُخرى فلبسَها واعتمَّ عليها، ورجعَ عنه
شمرُ بنُ ذي الجوشنِ ومن كانَ معَه إِلى مواضعِهم ، فمكثَ هُنيهةً ثّم عادَ
وعادُوا إِليه وأحاطُوا به.
فخرجَ إِليهم عبدُاللهّ بن الحسنِ بنِ عليٍّ عليهما السّلامُ - وهو غلامٌ
لم يُراهِقْ - من عندِ النّساءِ يشتدٌُ حتّى وقفَ إِلى جنب الحسينِ فلحقتْه
زينبُ بنتُ عليٍّ عليهما السّلامُ لتحبسه ، فقالَ لها الحَسينُ : «احبسيه
يا أُختي» فأَبى وامتنعَ عليها امتناعاً شديداً وقالَ : واللّهِ لا أفُارقُ
عمِّي.
وأهوى أَبجر بنُ كَعْبِ إِلى الحسين عليهِ السّلامُ بالسّيف ،
فقالَ له الغلامُ : ويلَكَ يا ابنََ الخبيثةِ أتقتل عمِّي ؟! فضربَه
أبْجَرُ بالسّيفِ فاتّقاها الغلامُ بيدهِ فأطنَّها إِلى الجلدةِ فإِذا يده
معلّقةٌ ، ونادى الغلامُ : يا أُمّتاه ! فأخذَه الحسينُ عليهِ السّلامُ
فضمَّه إِليه وقالَ : «يا ابنَ أخي ، اصبرْعلى ما نزلَ بكَ ، واحتسِبْ في
ذلكَ الخيرَ، فإِنّ اللهَّ يُلحقُكَ بآبائكَ الصّالحينَ».
ثمّ رفعَ الحسينُ عليهِ السّلامُ يدَه وقالَ : «اللّهمَّ إِن متّعتَهم
إِلى
حينٍ ففرِّقْهم فِرَقاً، واجعلْهم طَرَائقَ قدَداً، ولا تُرْضِ الولاةَ
عنهم أبداً، فإِنّهم دَعَوْنا ليَنصُرونا، ثمّ عَدَوْا علينا فقتلونا».
وحملتِ الرّجّالةُ يميناً وشمالاً على من كانَ بقيَ معَ الحسينِ فقتلوهم
حتّى لم يَبقَ معَه إلاّ ثلاثةُ نفر أو أربعةٌ ، فلمّا رأى ذلكَ الحسينُ
دعا بسراويلَ يمانيّةٍ يُلمَعُ فيها البصرُففَزَرَها ثمّ لبسَها، ِوانّما
فَزَرَها لكي لا يُسْلَبَها بعدَ قتلِه.
فلمّا قُتِلَ عَمَدَ أبجر بنُ كعبِ إِليه فسلبَه السّراويلَ وتركَه
مُجَرَّداً ، فكانتْ يدا أبْجر بن كعبِ بعدَ ذلَكَ تَيْبسانِ في الصّيفِ
حتّى كأنّهما عُودَانِ ، وتترطّبانِ في الشِّتاَءِ فتنضحانِ دماً وقيحاً
إِلى أن أهلكَه اللهُ.
فلمّا لم يبقَ معَ الحسينِ عليهِ السّلامُ أَحدٌ إلاّ ثلاثةُ رهطٍ من
أَهلهِ ، أَقبلَ على القومِ يدفعهُم عن نفسِه والثلاثةُ يَحْمونَه ، حتّى
قُتِلَ الثلاثةُ وبقيَ وحدَه وقد أُثْخِنَ بالجراحِ في رأسِه وبدنِه ،
فجعلَ يُضارِبُهم بسيفِه وهم يتفرّقونَ عنه يميناً وشمالاً.
فقالَ حُمَيدُ بنُ مسلم : فواللّهِ ما رأَيْتُ مَكثوراً قطُّ قد قُتِلَ
ولدُه وأَهلُ بيتِه وأَصحابُه أَربطَ جأْشاً ولا أَمضى جَناناً منه عليهِ
السّلامُ ، إِنْ كانت الرّجّالةُ لَتشدُّ عليه فيشدُّ عليها بسيفِه ،
فتنكشِفُ عن يمينهِ وشمالهِ انكشافَ المِعزى إِذا شدَّ فيها الذِّئبُ.
فلمّا رأَى ذلكَ شمرُ بنُ ذي الجوشنِ استدعى الفرسانَ فصاروا في ظهورِ
الرّجّالةِ، وأَمرَ الرُّماةَ أَن يَرموه ، فرشقوه بالسِّهام حتّى صارَ

كالقُنفُذِ فأَحجَمَ عنهم ، فوقفوا بإِزائه ، وخرجتْ أُختُه زينبُ إِلى باب
الفسطاطِ فنادتْ عمرَبنِ سعدِ بن أبي وقّاصٍ : ويحَكَ يا عمرُ! أيقْتَلُ
أبوعبدِاللهِ وأَنتَ تَنظُرُ إِليه ؟ فلم يُجبْها عمرُ بشيءٍ ، فنادتْ :
َويحْكم أَما فيكم









}
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

قصة استشهاد الامام الحسين (ع) واقعة الطف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات حبيبي ياعراق ..أكبر تجمع عربي :: •.♫°.•ஐ•i|[♥الاقسام الاسلاميه♥]|i•ஐ.•.°♫.• :: المنتدى الاسلامي-